أفغانستان وباكستان: الشرارة الجغرافية والتحالفات الاستراتيجية وخطر التفكك

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى


تشهد الحدود بين أفغانستان وباكستان توترات متصاعدة، في وقت يشهد فيه جنوب آسيا وشرق الأوسط إعادة ترتيب تحالفات استراتيجية غير مسبوقة. زيارة رئيس وزراء الهند إلى تل أبيب، وتبادل التحايا مع نتنياهو، لم تكن حدثاً عابراً، بل مؤشر على تحالفات جديدة تهدف إلى إعادة رسم النفوذ في المنطقة. هذا المشهد يتقاطع بشكل مباشر مع التحركات الأمريكية المتصاعدة في المنطقة، والتهديدات الموجهة ضد إيران، في وقت تتشابك فيه مصالح الدول الإقليمية حول الموانئ والممرات الحيوية، لتصبح كل نزاعات الحدود جزءاً من لعبة جيوسياسية أكبر بكثير مما تبدو عليه على السطح.

عند النظر إلى خريطة المنطقة، ندرك أن أفغانستان تمثل ممرّاً برياً استراتيجياً يربط آسيا الوسطى والصين بخليج العرب، بينما تشكل موانئ باكستان، مثل كراتشي وGwadar، نقاط عبور بحرية حيوية. هذه الموانئ ليست مجرد مراكز اقتصادية، بل أدوات للهيمنة والسيطرة على خطوط الإمداد الإقليمية والدولية، وهي هدف رئيسي لمخططات التوسع الخارجي، خصوصاً (الإسرائيلي) والأمريكي. السيطرة على هذه النقاط الحيوية تمنح القدرة على توجيه التجارة والنفط والغاز، وتأمين النفوذ العسكري والاقتصادي في المنطقة.
من هنا نفهم سبب تأجيج النزاعات بين أفغانستان وباكستان: كل طرف يمثل محوراً استراتيجياً يمكن أن يؤثر على المشروع التوسعي للخارج. أي ضعف في هذه الدولة أو اشتعال نزاع داخلي يتيح للقوى الخارجية تعزيز نفوذها وتقليل قدرة المنطقة على الوحدة والمواجهة الجماعية.

الهند، التي تتقارب مع (إسرائيل) في مجال الدفاع والتكنولوجيا، ترى في التحالف مع هذا الكيان فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، خصوصاً ضد باكستان. أما باكستان، فهي تاريخياً داعمة للقضية الفلسطينية، وتحتفظ بموقف مضاد للتوسع (الإسرائيلي)، ما يجعلها هدفاً مباشراً لمحاولات إضعافها أو استنزافها من خلال النزاعات الحدودية، والفتن الداخلية، والتحالفات الإقليمية المضادة.
هذا التقاطع الاستراتيجي يعكس حقيقة أن الصراع بين الدول ليس مجرد نزاع محلي، بل جزء من مخطط أكبر تهدف فيه القوى الخارجية إلى زرع الانقسامات ومنع أي قوة إقليمية من الوصول إلى إمكانيات الوحدة والاستقلال الحقيقي.

لا تتوقف اللعبة عند حدود أفغانستان وباكستان. فالشرق الأوسط برمته يعاني من صراعات داخلية متشابكة، منها ما هو مدعوم من الخارج. السعودية واليمن، العراق والكويت، السودان، سوريا وليبيا، جميعها تشهد صراعات وأزمات يتم توجيهها بطريقة تخدم مصالح خارجية. الهدف واحد: تفتيت الأمة، زرع الفرقة، إبقاء الشعوب مشغولة بأزمات داخلية، وصرف النظر عن القضايا الكبرى، مثل مقاومة التوسع (الإسرائيلي) وحماية مصالح الأمة الإقليمية.
كل هذه الصراعات الداخلية، وكل الانقسامات، ليست نتيجة للصدفة أو التاريخ فقط، بل أدوات ممنهجة منذ عقود لتوجيه الأمة نحو النزاع الذاتي، بدل توحيد قواها ضد القوى الاستعمارية والصهيونية التي تغذي هذه الصراعات.

إذا تأملنا، نجد أن الأسلحة التي تمثل القوة الكبرى في الأمة غالباً تُستخدم ضد بعضها البعض بدل توجيهها نحو العدو الحقيقي. هذا الواقع يعكس استراتيجية قديمة، تهدف إلى إضعاف الأمة ومنعها من توحيد جهودها ضد القوى التي تغذي النزاعات. هذه ليست صدفة، بل تخطيط طويل الأمد، يجعل الأمة منشغلة في صراعات جانبية، بينما العدو الحقيقي يحقق أهدافه في الخفاء.

في قلب هذا المشهد المعقد، تظل القضية الفلسطينية العلامة الفارقة. كل تحرك استراتيجي في المنطقة، وكل صراع داخلي، يجب أن يُفهم في سياق المشروع التوسعي لـ(إسرائيل). فلسطين ليست قضية بعيدة أو رمزية فقط؛ هي المحك الذي يوضح الوجه الحقيقي للتحالفات والمخططات الخارجية. دعم فلسطين، والإيمان الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، هو الخط الدفاعي الأخلاقي والاستراتيجي ضد كل مشاريع التفتيت والهيمنة.

الأمة اليوم تحتاج إلى فهم شامل: كل نزاع، كل توتر، كل تحرك عسكري أو سياسي، مرتبط بخطة أوسع تهدف للسيطرة على ممراتها وموانئها، وتقسيم شعوبها. الوحدة الوطنية ليست خياراً، بل ضرورة حقيقية. ووعي الشعوب بهذه الحقائق هو السلاح الأول لمواجهة الفتنة.

“من يعرف التاريخ ويفهم الجغرافيا ويقرأ التحالفات، يدرك أن ما تعانيه الأمة اليوم ليس صدفة، بل مؤامرة ممنهجة. وحدتنا هي السلاح الأقوى، وحق الشعب الفلسطيني هو الشعلة التي لا تنطفئ أمام مشاريع التوسع الاستعماري-الصهيوني. من لا يدرك هذه الحقيقة، سيظل أسيراً للفتن، ومن يدركها ويعمل بها سيصنع مجده ومستقبل أمته.”