الجواب على سؤال الاتفاق بسؤال الحرب؟
ناصر قنديل
– برميل ثلج كبير سقط على رؤوس المتربّصين بإيران وقوى المقاومة الذين كانوا يتمنون ويحولون تمنياتهم إلى تحليل سياسي، فيقولون إما اتفاق ينتهي بتفكيك البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي لإيران وتحالفات إيران مع قوى المقاومة، أو حرب أميركية إسرائيلية تدمّر إيران وتُسقط نظامها الإسلامي وتأتي بنظام على نمط ما حدث في سورية. وفجأة وجد هؤلاء أنفسهم في مشهد أقرب لسورية لكن عام 2013 عندما أعلن الرئيس باراك أوباما أن سورية تجاوزت خطوطه الحمراء واستخدمت سلاحاً كيميائياً وأنه اتخذ قرار الحرب عليها وأمر بتوجّه الأساطيل إلى البحر المتوسط، ثم بعد أسبوع عادت الأساطيل كما ذهبت دون شنّ الحرب وتم الإعلان عن اتفاق أميركي روسي سوري عن تخلّص سورية من مخزونها من الأسلحة الكيميائية. والتراجع عن قرار الحرب لم يكن بسبب الاتفاق الكيميائي بل جاء الاتفاق جائزة ترضية للتراجع عن قرار الحرب.
– في حالة أميركا عندما يوضع خيار الحرب على الطاولة فلا يتمّ سحبه مقابل أي اتفاق، مهما كان مجزياً، وفقاً لمعادلة أن أي اتفاق مهما بدا مجزياً دون الحرب سوف يصبح مجزياً أكثر مع الحرب، وسوف تجلب الحرب مع الاتفاق وعائداته المجزية صورة النصر التي تبني عليها أميركا رصيد سياستها الخارجية كدولة عظمى لا جدوى من المكابرة برفض إملاءاتها، وإذا كان الاتفاق الذي يحقق تطلعات واشنطن لا يستحقّ التخلي عن خيار الحرب، فعندما يكون الاتفاق المتداول دون التطلعات الأميركية بكثير، كما هو حال أيّ اتفاق يقوم على تفاوض أميركي إيراني في الملف النووي حصرياً، واستبعاد التفاوض حول البرنامج الصاروخي وحول علاقات إيران بقوى المقاومة، والوضع الداخلي في إيران، يصبح الجواب على سؤال الاتفاق مشروطاً بسؤال الحرب، لأن التراجع عن الحرب قرار جرى اتخاذه قبل الحصول على الاتفاق، وما فرض التراجع عن الحرب شكل أساس التوصل إلى مسار إيجابي نحو الاتفاق.
– في سؤال الحرب استعدّت إيران منذ الساعة الأولى لما بعد أيام حرب حزيران الاثني عشر، لحرب قادمة لا محالة، ووضعت خطوط العمل أمامها بعدم البناء على مسار التفاوض في صناعة استنتاجات تستبعد احتمالات الحرب، وبدأت عسكرياً وأمنياً بتطهير البلاد من كل الاختراقات التي كشفتها الحرب بلا هوادة، ودون الخضوع لابتزاز نظريات الديمقراطية والسلمية وحقوق الإنسان، وتوجهت تقنياً لاستكمال ما بدأته لاكتشاف أجهزة الاتصالات التي نشرتها واشنطن وتل أبيب على الجماعات العاملة معهما في الجغرافيا الإيرانية، وجنّدت عقولها لرسم خريطة طريق للتشويش على أجهزة ستارلينك وما يعادلها تحسباً لأي جولة قادمة، وأعادت بناء وتطوير تقنيات دفاعاتها الجوية ومخزونها الصاروخي عبر عدم الاكتفاء بالإنتاج الوطني واستعانت بما لدى روسيا والصين وكوريا الشمالية، ووضعت أمام قواتها البحرية تحديات بحجم إغراق حاملات الطائرات والسفن الحربية عند اندلاع الحرب بالإضافة إلى التحكم الفوري بمضيق هرمز والملاحة النفطية عبره، واختبرت بعض هذه الترتيبات خلال الاحتجاجات التي أرادها الرئيس ترامب مدخلاً للحرب وأفشله إحباط اجهزة ستارلينك كدفعة على الحساب عن إيران الجديدة في أي حرب قادمة.
– وضعت إيران أمامها مهمة راهنة جوهرها إقناع صانع القرار الأميركي، بعدم وجود فرصة لضربة محدودة تتم العودة بعدها إلى المفاوضات، وأن أي ضربة هي بداية حرب سوف تتابعها طهران ولو توقفت واشنطن وأعلنت نهايتها بتغريدة ترامبية، وأن الحرب ليست أياماً وأسابيع بل عدة شهور طويلة، وأن إقفال مضيق هرمز ليس للبحث والنقاش، ومثله استهداف القواعد الأميركية القريبة والبعيدة، وتحدث مرشد الجمهورية شخصياً عن إغراق الحاملات بما لكلامه من مغزى رمزي حول حتميّة حدوث ذلك واكتمال الاستعدادات لجعله أمراً واقعاً، وأن الرهان على سقوط النظام وتفككه وهم، وتوقع استسلامه وهم أكبر، وكل ما سوف تفعله الحرب هو إلحاق الأذى الشديد بإيران، لكن لا أميركا ولا “إسرائيل” ستكونان بمنأى عن الأذى أيضاً، والنتيجة العودة إلى المربع الأول، مع فارق أن امتناع إيران عن فعل أشياء كثيرة قد يسقط.
– عندما تيقنت إيران أن رسالتها وصلت كما يجب، فتحت الباب للفصل بين الملف النووي والملفات الاقتصادية المرتبطة به بفعل العقوبات من جهة، ومن جهة مقابلة سائر الملفات غير القابلة للتفاوض وفي مقدّمتها البرنامج الصاروخي، وأمامها فرصة الفصل بين الأهداف الأميركية من الحرب، والحرب بذاتها كهدف إسرائيلي من جهة، والبرنامج الصاروخي كهدف حدّ أدنى للتفاوض إذا استبعدت الحرب من جهة موازية، فقدّمت ما تعتقده عرضاً لا يمكن رفضه لاتفاق نووي يحفظ لها حقها ببرنامج نووي سلمي وحق التخصيب ويقدم تحت حفظ هذين الحقين كل التطمينات لتأكيد سلمية البرنامج والتخصيب، ويساعد في إغراء ترامب للسير بخيار الاتفاق كجائزة ترضية عن حرب لم يعد ممكناً شنها.
