الحرب التي ستبتلع من يشعلها

هناك لحظات في التاريخ يظن فيها الأقوياء أنهم قادرون على إعادة تشكيل العالم بضغطة زر، ثم يكتشفون أن الزر كان موصولاً ببرميل بارود لا بخريطة نفوذ. اليوم، يبدو أن بعض دوائر القرار في واشنطن تتعامل مع فكرة الحرب في الشرق الأوسط كأنها مناورة عسكرية يمكن التحكم بها، أو كأن المنطقة ملعب مغلق يمكن إطفاء أنواره متى شاءت. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الوهم.
إذا بدأ الأمريكي الحرب، فلن يواجه إيران وحدها، ولن يواجه محور المقاومة وحده، ولن يواجه جبهة واحدة يمكن قصفها ثم العودة إلى القواعد للاحتفال. سيواجه منطقة كاملة تتحرك خارج حساباته، وشعوباً لم تعد تقبل أن تُدار حياتها من غرف عمليات بعيدة، ومجتمعاً دولياً لم يعد يعترف بالهيمنة الأمريكية كقدر محتوم.
الولايات المتحدة ستدخل حرباً لا تشبه حروبها السابقة. فهذه المرة، النار لن تبقى في مكانها. ستشتعل من بحر قزوين إلى المحيط الهندي، وستتحول كل نقطة نفط، وكل قاعدة، وكل سفينة، وكل جندي، إلى هدف محتمل. هذه ليست حرباً يمكن ضبطها ببيان من البنتاغون، بل فوضى استراتيجية ستتدحرج ككرة نار لا يمكن إيقافها.
ثم هناك الداخل الأمريكي، الجبهة التي يتجاهلها صناع القرار. شعب أنهكته الحروب، واقتصاد يئن تحت الديون، وقاعدة انتخابية وُعدت بأن زمن المغامرات الخارجية قد انتهى. أي نعش يعود من الشرق الأوسط سيعود بثمن سياسي لا تستطيع أي إدارة دفعه. الحرب هنا ليست قراراً عسكرياً، بل مقامرة سياسية قد تطيح بمن اتخذها قبل أن تنتهي أول معركة.
وفي المنطقة، سيواجه الأمريكي غضباً شعبياً لا يمكن قمعه ولا تجاهله. ليس فقط في بيئات محور المقاومة، بل في كل مكان يشعر فيه الناس أن واشنطن لم تجلب سوى الفوضى والدمار. هذه ليست “ميليشيات” كما يصفها الإعلام الغربي، بل قوى محلية متجذرة، تمتلك شرعية اجتماعية، وتتحرك في أرضها وبين ناسها. مواجهة هذه القوى ليست نزهة، بل مستنقع لا يخرج منه أحد نظيفاً.
أما دول الإقليم، حتى تلك التي ترتبط بتحالفات وثيقة مع واشنطن، فهي آخر من يريد حرباً تفتح أبواب الجحيم على اقتصاداتها وأمنها الداخلي. لن تقف مع إيران، لكنها بالتأكيد لن تقف مع حرب تهدد وجودها. ستجد واشنطن نفسها وحيدة في لحظة كانت تتوقع فيها أن تجد الصفوف مصطفّة خلفها.
ويبقى الحليف المدلل، إسرائيل، الحلقة الأضعف في أي حرب واسعة. أي إخفاق في جبهتها الداخلية، أي صاروخ يتجاوز القبة الحديدية، أي انهيار في ثقة الجمهور، سيُترجم مباشرة إلى زلزال سياسي يضرب صورة الردع الأمريكية في المنطقة. وحين يسقط الحليف، يسقط معه جزء من الهيبة الأمريكية التي بُنيت على وعد الحماية.
الحرب، إذا اشتعلت، لن تكون معركة بين جيشين، بل مواجهة بين مشروعين، بين شعوب وقوة عظمى، بين جغرافيا وتاريخ يحاصران من يظن أنه قادر على إعادة رسمهما بالقوة. أي خطأ في التقدير، أي خسارة غير محسوبة، لن تكون مجرد حادث عابر، بل الشرارة التي تجعل السماء والأرض والتاريخ والجغرافيا تصطف ضد من أشعل النار.
هذه ليست حرباً يجب أن تُخاض. هذه حرب من يبدأها… لن يعرف كيف ينهيها.

د. سائد عساف
٢٢ فبراير ٢٠٢٦