خرائط النار والنبوءات: الشرق الأوسط بين مفاوضات العلن ومشاريع الخفاء

فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى

ليست هناك صدفة في السياسة، كما لا توجد صدفة في الحياة؛ فالأحداث إما تُدار لغاية محددة، أو تُرسل كرسائل مشفّرة يراد لها أن تصل في توقيت بعينه. ومن هذا المنطلق يُقرأ المشهد الراهن، حيث يتزامن اجتماع الولايات المتحدة مع كلٍّ من روسيا وإيران في مفاوضات حديثة وجديدة، وبالوفد ذاته تقريبًا، وفي توقيت واحد. السؤال هنا ليس عن نقص في الدبلوماسيين، بل عن وحدة المقصد والرسالة. فهذه ليست مفاوضات تقليدية، ولا تشبه ما جرى عام 2015، بل تتناول ملفات أوسع وأعمق تتجاوز النووي إلى بنية النظام، ودور إيران الإقليمي، ومنظومتها الصاروخية، ودعمها لحركات المقاومة، مع إدراك مسبق من جميع الأطراف بأن طهران لن تتراجع عن هذه الثوابت.

في المقابل، يرتبط المسار الروسي مباشرة بحربها في أوكرانيا وصراعها مع حلف شمال الأطلسي وأوروبا عمومًا، بينما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفاؤل حول مسار التفاوض، في وقت يتصاعد فيه التوتر ميدانيًا بالتوازي مع الخطاب السياسي. أما إيران، وعلى لسان مرشدها السيد علي خامنئي، فتبعث برسائل مفادها أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بما يطفو على سطح البحر، بل بما يُخفى في أعماقه، في إشارة إلى توازن ردع يتجاوز الصورة التقليدية للقوة.
(سنشهد مفاجأت)

ومنذ أكتوبر 2023، دخل ما يُوصف بمشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط حيّز التنفيذ، حيث لم يعد ما يحدث في غزة أو جنوب لبنان حدثًا معزولًا، بل جزءًا من سياق ممتد. القصف المتواصل، والاغتيالات، والإنفاق العسكري الهائل رغم الركود الاقتصادي العالمي، كلها مؤشرات تُقرأ باعتبارها حلقات في سلسلة مترابطة. الحشد البحري في البحر الأحمر لا يُفهم فقط في سياق إيران، بل كذلك في سياق اليمن، مع دخول السعودية على خط محافظتي حضرموت والمهرة، وتأمين خطوط النفط والموانئ الاستراتيجية، في مشهد يتقاطع مع ما يجري في السودان وليبيا من دعم فصائل على حساب أخرى.

ويمتد الربط إلى إثيوبيا وسدّها الذي يُنظر إليه باعتباره خطوة تؤثر مباشرة على أمن المياه في مصر، تحقيقًا لجزء من شعار “من النيل إلى الفرات”، حيث يرتبط “الفرات” بما يجري في سوريا والعراق، وبالتحولات في الضفة الغربية. وضمن هذا السياق، تتكرر تصريحات قادة (إسرائيل)، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، حول نبوءات توراتية وإشارات إلى إشعيا ودانيال، بما يربط السياسي بالديني، والاستراتيجي بالعقائدي.

ويأخذ الطرح بعدًا أعمق عند الحديث عن ما جرى في جزيرة إبستين المرتبطة بقضية جيفري إبستين، وما أُثير حول وجود معبد مخطط باللونين الأزرق والأبيض، والحديث عن صناعة أو التمهيد لديانة جديدة تحت شعار “الإبراهيمية”، مع الإشارة إلى نقل رموز دينية من الشرق الأوسط بوصفه مهد الرسالات. ويرى هذا الطرح أن الترويج للإبراهيمية لم يكن وليد اللحظة، بل مسارًا بدأ منذ سنوات، وازداد حضوره مؤخرًا تحت عناوين السلام والتطبيع، في حين يُفهم لدى البعض باعتباره إعادة صياغة للولاءات الدينية ضمن مشروع سياسي أوسع.

في هذا المشهد، لا تُقرأ الحروب باعتبارها صراعات حدود فحسب، بل باعتبارها صراع منظومتين: منظومة ترى في الدين مرجعية أخلاقية وسيادية، وأخرى توظف الدين لخدمة مشروع جيوسياسي يهدف إلى التفكيك ثم السيطرة. ومن هنا يُفهم الربط بين إشغال الجبهات، وإضعاف الدول بالصراعات الداخلية، وخلق أزمات اقتصادية وأمنية متزامنة، بحيث تبقى المنطقة في حالة استنزاف دائم.

غزة، وفق هذا التصور، تمثل خط الدفاع الأول، وجنوب لبنان عمقه المباشر، وسقوطهما يعني انتقال المشهد إلى مرحلة جديدة تتبدل فيها الموازين بالكامل. أما ما يجري في بقية العواصم، من طهران إلى صنعاء، ومن بغداد إلى دمشق، ومن الخرطوم إلى طرابلس، فليس إلا فصولًا في لوحة واحدة، تتشابك فيها المصالح الكبرى مع النبوءات المعلنة والخفية.

“التاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل تُرسم سطوره بالنار حين تغيب القراءة المبكرة للمشهد.”

إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاد، حيث تتداخل المفاوضات الحديثة بين القوى الكبرى مع صراعات ميدانية، وتتصاعد التصريحات ذات البعد الديني بالتوازي مع تحركات عسكرية واقتصادية واسعة. وبين من يرى في ذلك إعادة ترتيب طبيعي لموازين القوى، ومن يراه مشروعًا عقديًا ممتدًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما يجري تفكك عابر، أم إعادة تشكيل شاملة لخرائط النفوذ والهوية في الشرق الأوسط؟ الزمن وحده كفيل بكشف الإجابة، لكن وضوح الرؤية يظل مسؤولية من يقرأ، لا من يخطط فقط.