شهد تطبيق UpScrolled والذي تأسس في أواخر عام 2023 ومطلع 2024، إقبالا قياسيا بوصفه استجابة تقنية مباشرة لسياسات التقييد والرقابة الممنهجة التي فرضتها منصّات التواصل الاجتماعي الكبرى، على المحتوى الفلسطيني والداعم للقضية الفلسطينية.

ويعود إطلاق التطبيق إلى المطوّر الفلسطيني–الأردني–الأسترالي عصام حجازي، الذي فقد أكثر من 60 فردا من أقاربه خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، في تجربة شخصية شكّلت دافعا أساسيا لتأسيس منصة تسعى إلى كسر الرقابة والحظر الخفي المفروض على النشاط الفلسطيني عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكما يشهد النظام الدولي مرحلة إعادة تشكّل مع تآكل توازنات ما بعد الحرب الباردة وعودة منطق القوة. صراع النفوذ هذا بدأ يفرض نفسه على شبكة الإنترنت بصورة متسارعة

طوّر المنصّة الفلسطيني الأسترالي عصام حجازي بعيداً من مقصّ الرقيب

في غضون أيام قليلة، بلغت الضغوط الأميركية على تيك توك نهايتها بفرض شروط الاستحواذ القسري، وفقد شعب الإنترنت الثقة بمنصة أحبّها منذ سنوات.

فقدان الثقة بتيك توك

بفعل هذا التحوّل، أحكم الملياردير الأميركي والقطب التقني لاري إليسون قبضته على ملف استضافة بيانات المنصة عبر شركة «أوراكل» التي أسّسها، مستفيداً من دعمه المطلق ل”إسرائيل” وصلاته الوثيقة بالرئيس دونالد ترامب، ما ضاعف ريبة المستخدمين حيال سلامة خصوصيتهم.

أمام هذا المشهد المتوتّر، اندفع الناس حول العالم باحثين عن ملاذات تقنية، هرباً من تحوّل بياناتهم إلى كنز رقمي يعتبره رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو الجبهة الثامنة.

UpScrolled: ملاذ تقني خارج مقصّ الرقيب

من هذا الاحتياج، استقطب تطبيق UpScrolled الحشود الرقمية، محوّلاً منصة طوّرها الفلسطيني الأسترالي عصام حجازي إلى ملجأ عالمي بعيداً من مقصّ الرقيب. وتعتمد المنصة في قوتها التقنية على تمركز خوادمها في إيرلندا، مستفيدةً من حصانة القوانين الأوروبية التي تمنح حماية فائقة لخصوصية البيانات وتمنع التغوّل الخارجي عليها.

يكمن الاختلاف الجوهري الذي تطرحه UpScrolled في اعتمادها خوارزميات شفّافة تمنح الأولوية للتفاعل الإنساني الحقيقي بدلاً من الترويج للسرديات المموّلة، ما يمنع التلاعب بالرأي العام أو إخفاء المحتوى (حظر الظل) بناءً على الرأي السياسي.

على وقع هذه الميزات، تحوّل التطبيق خلال ساعات قليلة إلى مركز عالمي نابض بالمحتوى الفلسطيني، بعدما تدفقت إليه آلاف المقاطع والصور التي تعرّضت للحظر الممنهج على المنصات الأخرى.

وجد المستخدمون في UpScrolled الحيّز الآمن لنشر روايتهم من دون خوف من حذف الحسابات أو تقييد الوصول، كما كان يحصل مع الخوارزميات الأميركية.

لم يتوقف الأمر عند حدود النشر، فقد غدا التطبيق غرفة عمليات إعلامية مفتوحة توثّق الأحداث لحظة وقوعها، موفّرةً حصانة رقمية للمحتوى الذي يواجه الإلغاء في الفضاء الافتراضي التقليدي.

مع ذلك، تطرح التجربة أسئلة مبكرة: قدرة المنصة على التوسع عالمياً، ومصادر تمويلها المستقبلية، وآليات صمودها في مواجهة الضغوط السياسية حين تتحول من ملاذ هامشي إلى لاعب مؤثر. هذه الأسئلة لا تنتقص من أهميتها، لكن تضعها ضمن اختبار حقيقي تواجهه كل منصة تحاول الخروج من النظام التقني السائد.

أوروبا تدخل «الحرب»!

كذلك، اقتحمت المنصة الأوروبية Monnett المشهد، طارحةً نموذجاً يعيد امتلاك السيادة الرقمية بعيداً من إملاءات وادي السيليكون وسيطرته المطلقة على تدفق المعلومات.

ويأتي هذا التحرك الأوروبي استجابةً للخلاف المتصاعد مع واشنطن، بعدما أدركت أوروبا متأخرةً مخاطر الهيمنة الأميركية على البيانات وحساسية التبعية لإدارة ترامب التي تفرض سياسات حمائية متشددة وتسرّع من تهاوي النظام الدولي. وتضمن المنصة تداول البيانات والمحتوى بآليات تقنية تحمي المواطن من التوظيف السياسي الممنهج، وتوفّر حصانة لخصوصيته عبر خوادم تخضع للقوانين الأوروبية المتشددة.

عملياً، انتقل الصراع اليوم من التنافس على العوائد الإعلانية على منصات التواصل إلى السيادة على البيانات باعتبارها مناطق نفوذ

«بلقنة الإنترنت»

رغم الإحساس بالسعادة العارمة لدى كثيرين مع ظهور منصات تواصل اجتماعي جديدة خارج العباءة الأميركية، تظهر مشكلة جوهرية. توافر هذه المنصات البديلة يحمل قيمةً فعليةً في اللحظة السياسية الراهنة، شرط أن يكون هدفها النهائي تفكيك سلطة منصات التواصل الكبرى وتوزيعها على العالم، عبر تقليل الاحتكار وتوسيع خيارات المستخدمين وتخفيف قدرة أي مركز واحد على إدارة الإنترنت. من دون هذا الأفق، تتحول المنصات الجديدة إلى جزر إضافية داخل مشهد يتجه أصلاً نحو مزيد من الانقسام، وتسهم في ما يسمّى «بلقنة الإنترنت».

توافر المنصات البديلة مهمّ سياسياً إذا تفككت سلطة منصات التواصل الكبرى

تستمد هذه التسمية معناها من المأساة التاريخية التي أصابت شبه جزيرة البلقان بعدما تفتّتت إلى كيانات متناحرة. في المجال الرقمي، يظهر الخطر عندما يصبح هناك محتوى فلسطيني داخل منصة، ومحتوى أميركي داخل منصات أخرى، ومحتوى أوروبي داخل منصة أوروبية.

هذا يضرب الاحتكاك اليومي بين المستخدمين حول العالم، وتتآكل معه إمكانية رؤية ما يجري خارج الفقاعة المحلية أو الإقليمية، ويصبح كل جمهور محكوماً بنوافذ محدودة على العالم.

والنتيجة عالم من ساحات منفصلة، مع جمهور يعرف تفاصيل منطقته ويجهل ما يحدث في المناطق الأخرى، ومع مساحة أضيق للتضامن العابر للحدود، ومع قدرة أعلى للقوى السياسية والإعلامية المحلية على ضبط الجمهور. وكسر احتكار الرواية الواحدة التي تدفع بها الخوارزميات الأميركية.

تؤكد ورقة أكاديمية صادرة عن مركز «بروكينغز» في حزيران (يونيو) 2025 بعنوان «انعطافة تفتيت الإنترنت نحو الخارج»، للباحثة ميلين فايدلر، أنّ تفسير «بلقنة الإنترنت» باعتباره ممارسةً تنتهجها الدول لضبط الإنترنت ضمن حدودها لم يعد كافياً لفهم ما يحدث. وتوضح الورقة أنّ أدوات التفتيت تطوّرت من الحجب والمنع والفلترة داخل الدول إلى ممارسات تمتد إلى الخارج، عبر قوانين منع تصدير أشباه الموصلات، وتخريب كابلات الألياف البحرية، والتنازع على الأطر القانونية الرقمية الدولية.

أي إنّ مفهوم البلقنة انتقل من تنظيم شبكة الإنترنت التي تجريها كل دولة ضمن حدودها إلى حرمان دول أخرى من تجربة كاملة للإنترنت أو خفض جودتها. كما إنّ نتيجة منع تصدير الشرائح المتقدمة إلا إلى دول تحددها واشنطن تعني أنّ قدرة بقية الدول على تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي محلية تعمل بكفاءة أميركية أمر صعب الوصول إليه.

ولتبسيط الفكرة، يمكن تخيّل أنّ مستخدماً يتصفح الإنترنت في دولة عربية لا يظهر له كلّ المعرفة والدراسات والمقالات والتقارير والتحقيقات التي تظهر للمواطن الأميركي، فيسير في العالم معتقداً أنّ لا شيء يحصل سوى ما قد رآه بالفعل.

تُظهر التقارير الحديثة أنّ فكرة «الإنترنت العالمي المفتوح والموحّد» تتراجع سريعاً، وأنّ التفتيت صار اتجاهاً مؤسساتياً؛ فقد تحدث مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة منذ عام 2019 عن بداية نهاية «عصر الإنترنت المفتوح»، وناقش مركز «بروكينغز» كلفة إنترنت أقل عالمية وأكثر تجزؤاً على الاقتصاد والسياسة والمعرفة العامة. يتقاطع هذا التحول مع توسّع أدوات السيطرة على الفضاء الرقمي داخل دول كثيرة.

المهمة الأساسية

المعركة اليوم لا تُختصر بظهور منصة بديلة هنا أو هناك. جوهرها يكمن في قدرة أي بديل على التحول إلى منصة عالمية فعلياً، منصة تجمع مستخدمين من فلسطين وأميركا وأوروبا وأفريقيا وآسيا في مساحة واحدة، وتجعل المنصات الأميركية أقل عدداً وتأثيراً لأنّ الناس ببساطة انتقلوا إلى مكان آخر أكثر عدلاً وأقل استغلالاً. عندما تصبح المنصة البديلة كبيرة جداً، تتراجع قدرة الشركات الأميركية على احتكار الرواية، وتتراجع قدرتها على فرض خوارزمياتها، وتتراجع قدرتها على جمع بيانات البشر من كل العالم.

هذه النقطة مهمة لأنّ الإنترنت ليس فقط مكاناً للنشر. الإنترنت هو المكان الذي تتشكل فيه الصورة عن العالم. عندما يعيش الناس في المنصة نفسها، يرون بعضهم يومياً، ويسمعون قصص بعضهم، ويتفاعلون مع الأحداث نفسها… هذا يخلق خبرة مشتركة، ويجعل التضامن أسهل، ويجعل الأكاذيب أصعب، لأنّ هناك شهوداً من جهات مختلفة داخل الفضاء نفسه.

أما حين يصبح لكل شعب منصته الخاصة، يصبح كل مجتمع داخل غرفة مغلقة. الفلسطينيون يتحدثون مع الفلسطينيين فقط. الأوروبيون يرون أخبارهم فقط. الأميركيون يعيشون في عالمهم فقط. عندها، تقل فرص أن يسمع الناس بعضهم، وتزداد قوة الدعاية المحلية، ويصبح تغيير الصورة النمطية أصعب. حتى القضايا العادلة تخسر، لأنّ الوصول إلى جمهور عالمي يصبح أبطأ وأصعب ومجزّأً بين منصات عدة.