مجلسُ ترامب للسلام… حين تُدارُ الإبادةُ باسمِ السلام
عدنان عبدالله الجنيد
قِمّةُ السُّفورِ والبلطجةِ والإرهاب، أن يتقمّصَ الجلّادُ دورَ الحَكَم، وأن يرتديَ القاتلُ عباءةَ السلام، وأن يُسوَّقَ مشروعُ إخضاعٍ شاملٍ للأمّة على أنه “ترتيباتُ استقرار”.
هكذا وصف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي –يحفظه الله– جوهرَ الترتيبات الأمريكية، مؤكدًا أنها ليست مشاريعَ سلام، ولا مساراتِ تطبيعٍ آمن، بل خططُ استهدافٍ مباشرٍ للأمّة، وهندسةُ هيمنةٍ شاملةٍ بأدواتٍ ناعمةٍ ظاهرها السلام وباطنها العدوان.
لقد كشف السيد القائد، في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد الرئيس صالح الصماد، أن ما يُسمّى بـ“مجلس السلام” ليس سوى مجلس ترامب، مجلسًا يدور حول شخصٍ واحد، بعقليته المتغطرسة، ونموذجه الفجّ في الطغيان والبلطجة والنهب العلني لثروات الشعوب.
فترامب، كما وصفه السيد القائد، لا يحتاج إلى كثير عناء لتعريف الناس به؛ إذ يمثّل الطابعَ الصهيونيَّ الصِّرف، والجشعَ الأمريكيَّ والغربيَّ المكشوف، حيث تُدار السياسة بعقلية الصفقة، وتُقاس الدماء بمؤشرات الربح.
مجلس السلام… آلية لصناعة الوهم
إن إعلان ترامب عن تشكيل ما سُمّي بـ“مجلس السلام في قطاع غزة” في 16 يناير 2026، ليس إلا حلقةً جديدةً في مسلسل الخداع السياسي. فقراءةٌ متأنيةٌ لبنية هذا المجلس تكشف أنه ليس أداةً للتحرير، ولا إطارًا لبناء سلامٍ عادل، بل صيغةٌ شيطانيةٌ متقدّمة لإعادة إنتاج الاحتلال.
أول أوهامه، وهمُ الشرعية الدولية، إذ يُقدَّم المجلس كإطارٍ متعدد الأطراف، بينما تكوينه يفضح هيمنةً أمريكيةً صِرفة، تضم شخصياتٍ معروفة بولائها لترامب ومشروعه، في تغييبٍ كاملٍ لأي تمثيلٍ حقيقيٍّ للشعب الفلسطيني أو لقوى مقاومته.
وثانيها، وهمُ “الإدارة التقنية المحايدة”، حيث يحاول ترامب غسل صورته الدموية بالظهور كمشرفٍ على الإعمار، بينما الهدف الحقيقي هو مصادرة القرار السياسي، وفصل الإدارة عن السيادة، وتحويل غزة إلى ملفٍ اقتصاديٍّ خاضعٍ للوصاية.
أما ثالثها، فهو وهمُ الغطاء الدولي، عبر قراراتٍ أمميةٍ أفرغت القانون الدولي من مضمونه، وحوّلت مجلس الأمن إلى أداةٍ لشرعنة الهيمنة بدلًا من ردع العدوان.
نزع السلاح… شرطُ الإغاثة أم سلاحُ الإخضاع؟
شدّد السيد القائد على أن أولوية ما يسمّى “المرحلة الثانية” في غزة، وفق مجلس ترامب، هي نزع السلاح، حتى السلاح الشخصي، وربط ذلك بالاستثمارات والإعمار. وهذا، في جوهره، تعريفٌ جديدٌ للسلام بوصفه نزعًا لحق الدفاع، وتجريدًا للمظلوم من أي قدرة على حماية نفسه، بينما يستمر الاحتلال في القتل والحصار والعدوان.
فالعدو الإسرائيلي، كما أوضح السيد القائد، لم يلتزم بأيٍّ من استحقاقات التهدئة: قتلٌ يومي للأطفال والنساء، حصارٌ خانق، إغلاقٌ للمعابر، منعٌ للخيام والمساكن المتنقلة، وتجويعٌ متعمّدٌ لشعبٍ منكوب، والعالم يشاهد… ويتعايش مع الجريمة وكأنها مشهدٌ اعتيادي.
من غزة إلى الضفة ولبنان وسوريا… سلامٌ أم استباحة؟
تساءل السيد القائد بمرارةٍ واعية:
ماذا يفعل العدو في الضفة؟
هدمٌ للمنازل، قتلٌ، نهبٌ، حرقٌ للمحاصيل، اعتداءٌ على العجائز والأطفال، وانتهاكٌ شبه يوميٍّ للمسجد الأقصى.
وماذا يفعل في لبنان؟
قتلٌ، قصفٌ، توغلات، اختطافات، واستباحةٌ دائمةٌ للسيادة.
وماذا عن سوريا؟
استباحةٌ مستمرة، رغم الاتفاقات والضمانات، في دليلٍ قاطعٍ أن العدو لا يحترم سلامًا ولا عهدًا.
وهنا تتكشّف الحقيقة الكبرى: مجلس ترامب للسلام لا يوقف العدوان، بل يُديره، ولا ينهي الحرب، بل يعيد إنتاجها بوسائل سياسية واقتصادية.
وعيُ الشعوب… سلاحُ إفشالِ مجالسِ الخداع:
غير أن ما لا يحسب له صُنّاعُ هذه المجالس حسابًا، هو وعيُ الشعوب حين ينهض. فالمعركة اليوم لم تعد معركة بنودٍ واتفاقات، بل معركة وعيٍ وإرادة. وحين تدرك الشعوب أن ما يُسمّى “مجلس سلام” ليس إلا أداةَ إخضاع، وأن نزع السلاح يعني نزع الكرامة، وأن الإعمار المشروط ليس سوى احتلالٍ مقنّع، فإن هذه المشاريع تسقط من تلقاء نفسها.
ووفق المنهج القرآني، الذي أكّد عليه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي –يحفظه الله– فإن التغيير الحقيقي يبدأ من الأمة، من كسر حالة الاعتياد على الجريمة، وفضح أوهام السلام الزائف.
فأمةٌ واعية لا تُدار من الخارج، ولا تُخدَع بالعناوين البرّاقة، ولا تُسلِّم سلاحها ولا إرادتها، وحين تتحوّل الجماهير إلى جبهة وعي، يصبح مجلس ترامب حبرًا على ورق، وتسقط الوصاية قبل أن تُفرض.
الخاتمة: سلام الوصاية أم حقّ المقاومة؟
إن مفتعلَ الأزمات لا يمكن أن يكون صانعَ حلول. وترامب، راعي الإرهاب، والشريك المباشر في الإبادة الصهيونية في غزة، لا يمكن أن يُنتج سلامًا، ولا أن يقود مسارًا عادلًا. فـ“مجلس سلام غزة” ليس سوى استمرارٍ للحرب بوسائل أخرى، وتكريسٍ للاحتلال تحت غطاءٍ قانونيٍّ زائف.
كما أكّد السيد القائد عبد الملك الحوثي –يحفظه الله– فإن السلام الحقيقي لا يُبنى بمجالس وصاية، ولا بصفقات إذعان، بل بإنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، والاعتراف بحقّ الشعب الفلسطيني في المقاومة وتقرير المصير. وما دون ذلك، ليس إلا وهمَ سلامٍ يُقام فوق أنقاض غزة، وعلى أنهار دماء أطفالها.
وهكذا يتبيّن أن ما يُطرح اليوم تحت شعار السلام ليس إلا استمرارًا للحرب بوسائل أكثر خبثًا، وأدواتٍ أكثر دهاءً. فالأمّة التي ترفض أن تكون ضحيةً للوهم، وتُصرّ على امتلاك قرارها ومقدّراتها، هي وحدها القادرة على كتابة فصلٍ جديدٍ من فصول كفاحها، حيث يكون السلام ثمرةً للعدل، لا غطاءً للاستبداد.
