تتعامل الولايات المتحدة وحلفها الغربي مع إيران على أنها نهاية خطّ المقاومة، وكأن إسقاطها يعني بالضرورة انهيار ما تبقّى من هذا المحور. هذا التصور، في جوهره، يعكس قراءة سطحية لطبيعة الصراع، إذ يتجاهل حقيقة أساسية: المقاومة ليست كيانًا جغرافيًا ولا نظامًا سياسيًا، بل فكرة متجذّرة في وعي الشعوب.
..تعتقد واشنطن أن المقاومة مجرّد عمليات عسكرية يمكن إيقافها بالقصف والعقوبات، لكنها تتغافل عن أن المقاومة قبل كل شيء إرادة شعبية، وأن الشعوب بطبيعتها أكثر صبرًا ونَفَسًا طويلًا من أي قوة مهاجمة تستعرض نفوذها وتتبجّح بتفوقها العسكري. فالمقاومة لا تُختزل في سلطات سياسية أو قيادات عسكرية، بل هي حالة وعي جمعي تتجاوز الحكومات والحدود.
..في إيران، المعادلة مختلفة. هنا لا يواجه الأمريكيون “آخر الخط” كما يتوهمون، بل بداية خط متماسك ومدعوم، خطّ رصين لا يلين أمام الضربات. دونالد ترامب، ومن خلفه الغرب، يعيشون وهم الضربة القاضية، بينما الواقع يشير إلى أنهم يهاجمون نقطة ارتكاز أساسية، ما قد يفتح عليهم أبواب حصار معاكس، ليس نفطيًا فحسب، بل جويًا وبحريًا، بما يسرّع تآكل نفوذهم في الشرق الأوسط.
..ترامب ونتنياهو اليوم أسرى جنون العظمة. يظنون أن الساحات أُغلقت وأن الجبهات أُنهكت، لكنهم ينسون — أو يتناسون — جبهات لا تزال قائمة: جبهة سوريا التي يعتقدون أنها نائمة وقد انتهوا منها،
..جنوب لبنان،
..اليمن والعراق،
وسائر محاور المقاومة التي لم تنكسر رغم سنوات البطش والحصار.
… كما ينسون غـ ـزة، تلك البقعة الصغيرة التي استطاعت مقاومتها أن تُنهك وتُربك قوى نخبوية تتباهى بها الولايات المتحدة، بما فيها قوات “دلتا”، التي استُعرضت في فنزويلا أكثر مما حققت من إنجازات حاسمة على الأرض.
وفنزويلا بدورها ليست خارج هذا الخط، ولم يُحسم المشهد بعد. فالصين بدأت حصارها الاقتصادي بصمت، وروسيا تتحرك بحذر وتُدير اللعبة من تحت الطاولة، فيما تقف تركيا في منطقة رمادية؛ لا يُعرف لأي جانب تميل، لكنها في نظر كثيرين سجلت تاريخًا مليئًا بالغدر والانتهازية.
..التاريخ نفسه يكشف هشاشة الوهم الأمريكي. من كوبا، غيفارا، وكاسترو، إلى خطوط مقاومة عديدة ظنّ الأمريكي أنه أسقطها وأنهى أثرها، لكنها عادت بأشكال جديدة وأكثر تعقيدًا.
..ولعل الرسائل كانت واضحة. قال المرشد الإيراني لترامب: “ستسقط كما سقط فرعون”. وقال الرئيس السوري بشار الأسد إن العدو سيجد نفسه في نهاية المشهد هو المحاصر لا المُحاصِر. وهي عبارات لا تُقرأ كخطاب سياسي فقط، بل كتلخيص لرؤية استراتيجية طويلة الأمد، ترى أن موازين القوة لا تُحسم بالضربات السريعة، بل بصراع الإرادات.
وفي هذا الصراع، يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها ما زالوا يخطئون في السؤال الأول:
ليس “لماذا إيران؟”
بل: هل يمكن أصلًا إسقاط فكرة اسمها المقاومة؟
أسد نصر_الساحل السوري/سورية الكبرى

