حرب أهلية صامتة في أمريكا.. مواطنون يثورون على ترامب ويدعون للهجرة
الانتشار العربي
تعكس سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، داخليًا وخارجيًا، مسارًا تصادميًا بالغ الخطورة، يقوم على غياب شبه كامل لأي رؤية استراتيجية لإدارة شؤون الدولة. هذا النمط من الحكم لا يدفع الولايات المتحدة فقط نحو احتمالات تفكك داخلي وحرب أهلية جديدة، بل يجرّها خارجيًا إلى صدامات متعددة قد تفتح الباب أمام حرب عالمية ثالثة، نتيجة قرارات عسكرية وسياسية غير محسوبة العواقب ولا تستند إلى أهداف استراتيجية قابلة للتحقق.

خارجيًا، تورطت إدارة ترامب في اعتداءات مباشرة أو غير مباشرة على دول متعددة، شملت سوريا، إيران، اليمن، الصومال، نيجيريا، وفنزويلا، دون وجود إطار استراتيجي واضح يحدد الغاية أو النهاية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أعلن ترامب نيته الاعتداء على جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، وهدد علنًا بالتدخل ضد كولومبيا، في سلوك يعكس ذهنية توسعية اندفاعية أقرب إلى منطق الصفقات والقوة العارية منها إلى سياسة دولة عظمى تدير مصالحها بعقل استراتيجي.

في الحالة الفنزويلية، استخدمت الإدارة الأمريكية ذريعة “النفط” لتبرير سياساتها العدوانية، غير أن هذه الذريعة انهارت اقتصاديًا باعتراف الشركات الأمريكية نفسها. فقد أكدت شركة إكسون موبيل، أضخم شركة نفط في العالم، أن الاستثمار في النفط الفنزويلي غير مجدٍ اقتصاديًا، لأن سعر التعادل لبرميل النفط يتجاوز 80 دولارًا، وهو مستوى لا يحقق أرباحًا حقيقية لا في الوقت الحالي ولا في المستقبل القريب. يضاف إلى ذلك أن النفط الفنزويلي عالي التلوث بيئيًا، وأن تكاليف تأمين عمليات التنقيب مرتفعة للغاية ولا يمكن ضمانها إلا عبر الدولة الفنزويلية نفسها، ما يكشف أن القرار سياسي اندفاعي لا يستند إلى منطق اقتصادي أو استراتيجي.

داخليًا، تتزامن هذه السياسات الخارجية الفوضوية مع تفكك اقتصادي واجتماعي متسارع. فقد اندلعت بوادر احتجاجات واسعة ضد ترامب بسبب إهماله المتعمد لملفات حيوية، أبرزها الرعاية الصحية، الإسكان، وزيادة القوى العاملة. كما أصدر تعليمات مباشرة أدت إلى طرد آلاف الموظفين من القطاع الحكومي، قبل أن يتدخل القضاء الأمريكي ويعيدهم إلى وظائفهم، في مشهد يعكس صراعًا مؤسسيًا غير مسبوق بين السلطة التنفيذية والمنظومة القضائية.

في القطاع الخاص، شهدت نهاية عام 2026 موجة تسريحات جماعية غير معتادة، جاءت في ذروة موسم الأعياد، وشملت شركات كبرى مثل أمازون، وميتا المالكة لفيسبوك وانستجرام، إضافة إلى مايكروسوفت، إنتل، وعدد كبير من الشركات العملاقة، وهو ما يؤكد أن السنة الأولى لحكم ترامب شهدت اختلالًا عميقًا في سوق العمل. تراجع مؤشرات التوظيف وضع البنك الاحتياطي الفيدرالي في موقف شديد الارتباك، وأفقده القدرة على اتخاذ قرار واضح بشأن خفض أسعار الفائدة، في ظل اقتصاد يفتقد للاستقرار ويفتقر إلى رؤية مستقبلية.

في هذا السياق، تُعرض شهادات حية من لوس أنجلوس من داخل مظاهرات تشهد مشاركة غير مسبوقة، حيث يدعو مواطنون أمريكيون صراحة إلى مغادرة البلاد بسبب سياسات ترامب غير المسؤولة وغير العقلانية، مؤكدين أن حياتهم وأعمالهم ومستقبلهم تضررت بشكل مباشر. هذه الدعوات لا تصدر عن هامش المجتمع، بل عن مواطنين يرون أن منطق إدارة الدولة انهار لصالح قرارات انفعالية تفتقر للتخطيط.

ترامب، وفق توصيف واسع داخل النخب الأمريكية، هو “رجل الخطوة الأولى”؛ يتخذ القرار الصادم دون القدرة على التفكير في الخطوة الثانية أو تداعياتها، وهو ما يُعد في علم الاستراتيجية خطأً قاتلًا قد يدمر الدول من الداخل. هذا الخلل يتفاقم بسبب اعتماده على مستشارين يفتقرون لأي خبرة حقيقية في إدارة الدول أو صياغة السياسات العامة، وعلى رأسهم ستيفن ميلر، الذي تحيط به مواد مصورة وتسريبات تعود إلى فترات مبكرة من حياته، وهي مواد لا يمكن إعادة إحيائها أو توظيفها بهذا الشكل إلا في سياق صراع أجنحة داخل الدولة الأمريكية نفسها، ما يشير إلى حرب مفتوحة بين ما يُعرف بالدولة العميقة وإدارة ترامب.

الأكثر خطورة أن الاحتجاجات الحالية تمثل سابقة تاريخية، إذ يقودها في معظم المدن الأمريكية أصحاب البشرة البيضاء أنفسهم، الفئة التي كان ترامب يسعى إلى حصر “الهوية الأمريكية” فيها. هذا التحول يعكس وعيًا متزايدًا لدى الأمريكيين بأن الدولة لم تُبنَ على الإقصاء أو الكراهية أو الطرد الجماعي، بل على التعدد، وسيادة القانون، واحترام الدستور، الذي يخضع له الجميع من رئيس الجمهورية إلى أصغر مهاجر، سواء كان وضعه القانوني مستقرًا أو غير مستقر.

في قلب هذا المشهد، يبرز التحول الخطير في دور وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE). ما كان جهازًا إداريًا لتنفيذ قوانين محددة، تحول فعليًا إلى أداة قمع تُستخدم ضد جميع فئات المجتمع دون تمييز: مواطنين أمريكيين، مهاجرين حاصلين على الجنسية، مقيمين نظاميين، ومهاجرين غير موثقين. الممارسات على الأرض تؤكد أن الجميع باتوا سواسية في نظر شرطة الهجرة من حيث التعدي والانتهاك، بدعم سياسي وإعلامي مباشر من الرئيس دونالد ترامب شخصيًا، ومن نائبه جي دي فانس، ومن وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، الذين يروجون علنًا لمنهج القبضة الحديدية باعتباره حلًا للأزمات المركبة.

هذه السياسات لا تمثل مجرد تجاوزات، بل تنقل الولايات المتحدة إلى أخطر منعطف في تاريخها الحديث، حيث تُستخدم مؤسسات الدولة التنفيذية ضد المجتمع نفسه. وعندما تفقد الدولة حيادها، ويتحول القانون إلى أداة صراع سياسي، يصبح الانقسام بنيويًا، وتتحول احتمالات الحرب الأهلية من سيناريو نظري إلى مسار واقعي يتشكل تدريجيًا، يبدأ بصدام قانوني–أمني، وقد ينتهي بانفجار داخلي واسع يهدد كيان الدولة الأمريكية ذاته.

‌‎#ترامب #الولايات_المتحدة #أمريكا

الاعلامية فاطمة عطية رئيسة تحرير جريدة الانتشار العربي/لوس أنجلس،،