يُعدّ هذا الكلام اعترافا غير مباشر بأن انسحاب الولايات المتحدة من المواجهة في البحر الأحمر لم يكن بسبب تحقيق الأهداف أو تحييد قدرات الخصم، ولم يكن حتى انسحابا تكتيكيا استجابة لضرورات المعركة، بل كان بفعل فشل الاستراتيجية الأمريكية التي كانت تقوم على السيطرة على العالم من وراء البحار عبر أسطول جبّار وضخم من حاملات الطائرات والقطع البحرية، وتعتمد بشكل أساسي على التفوق الجوّي وقوّة الردع.
إن المواجهة مع اليمن أثبتت فشل الردع الأمريكي في منع هجمات الخصوم من جهة، وضعف فاعلية حاملات الطائرات في مواجهة ظروف قتالية غير تقليدية من جهة أخرى. وهذا ما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها العسكرية، إذ إن ما واجهته في صراعها مع “الحوثيين” لا يقارَن بما قد تواجهه في أي صراع محتمل مع الصين من حيث الكمّ والنوع. وإذا كانت جماعة محاصَرة في بلد فقير خارج من حرب طويلة قادرة على استنزاف القدرات الأمريكية وإلحاق أضرار بالقطع الحربية الأمريكية وتهديد سلامة الجنود الأمريكيين، فإن الصين قد تكون قادرة على جعل أسوأ كوابيس الولايات المتحدة حقيقة.
إن اضطرار دولة عظمى كالولايات المتحدة إلى الانسحاب من مواجهة دولة كاليمن في واحد من أهم الممرّات المائية في العالم وفي خضم حرب تعيد رسم الخرائط في المنطقة واضطرارها إلى إعادة النظر في سياستها العسكرية دليل على أن مواجهة المشروع الأمريكي ممكنة وإن كانت مكلفة، ودليل على أن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم قد ولّى إلى غير رجعة. وقد أثبت اليمن أن الصمود والمواجهة كفيلان في فرض الشروط وتحقيق المكاسب، فهل يعتبر باقي أعداء الولايات المتحدة وخصومها من التجربة اليمنية؟
حسن علاء الدين
