أطفال اليمن.. ضحايا حرب بلا رحمة
من بني حشيش والوازعية إلى ذاكرة المجازر.. أكثر من عقد من استباحة الطفولة، فمن يحاكم قتلة الأطفال؟
تحقيق استقصائي | إعداد:
الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
ليست القضية أن اليمن يعيش حرباً فحسب، بل إن جيلاً كاملاً من أطفاله وُضع في مواجهة الموت والجوع والمرض والنزوح والحرمان.
جيل لم يختر الحرب، ولم يحمل سلاحاً، ولم يكن طرفاً في صراعات السياسة والعسكر، لكنه دفع أثماناً باهظة من حياته وطفولته ومستقبله.
منذ مارس 2015، لم تكن دماء الأطفال اليمنيين بعيدة عن مشهد العمليات العسكرية التي استهدفت البلاد. من المنازل والأسواق والأحياء السكنية إلى المدارس والمرافق الصحية، ظلت التقارير الحقوقية والأممية توثق انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال.
واليوم، تعود المشاهد الدامية إلى الواجهة، من بني حشيش في صنعاء إلى سوق الوازعية في تعز، لتطرح سؤالاً أكبر من بيانات الإدانة والاستنكار:
إلى متى سيظل الطفل اليمني يدفع ثمن حرب لم يخترها، وإلى متى ستبقى دماؤه خارج حسابات العدالة الدولية؟
أولاً:
بني حشيش.. حين تتحول المنازل إلى مسرح للمأساة
ما شهدته منطقة الشريّة بمديرية بني حشيش في محافظة صنعاء يوم 7 نوفمبر 2026 يمثل حلقة جديدة في سجل المآسي التي يعيشها المدنيون اليمنيون.
فقد تحدثت وزارة الصحة اليمنية عن سقوط قتلى وجرحى جراء غارات استهدفت منازل سكنية، معظمهم من النساء والأطفال، فيما نقلت تقارير إعلامية حصيلة متصاعدة للضحايا.
إن استهداف المناطق السكنية يفرض أسئلة قانونية وإنسانية لا يمكن تجاوزها:
ما طبيعة الهدف الذي جرى استهدافه؟
ما مدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين؟
هل اتُّخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب سقوط الأطفال والنساء؟
من يتحمل المسؤولية عن الخسائر البشرية؟
لماذا لا توجد آلية دولية مستقلة للتحقيق والمساءلة؟
إن حياة المدنيين ليست تفصيلاً في الحسابات العسكرية، ولا يجوز أن تتحول المنازل إلى أهداف مباحة.
ثانياً:
الوازعية.. الأسواق الشعبية ليست ساحات حرب
وفي مديرية الوازعية بمحافظة تعز، جاءت التقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في سوق شعبي لتعيد مشاهد الخوف والموت إلى ذاكرة اليمنيين.
فالأسواق الشعبية أماكن يرتادها المواطنون لتأمين احتياجات أسرهم، وبينهم الأطفال والنساء والعمال والبائعون.
وأمام التقارير المتضاربة بشأن الجهة المسؤولة عن الهجوم، تصبح المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف ضرورة قانونية، لا مجرد موقف سياسي.
فمن حق أسر الضحايا معرفة ما حدث، ومن حق المجتمع معرفة المسؤول عن الجريمة، ومن واجب المؤسسات الدولية ألا تكتفي بمراقبة المأساة من بعيد.
ثالثاً:
الأرقام الأممية.. شهادة دولية على مأساة الطفولة اليمنية
الأخطر أن مأساة الأطفال ليست مجرد روايات محلية أو اتهامات سياسية.
ففي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاع المسلح في اليمن، الصادر عام 2025، وثقت الأمم المتحدة خلال الفترة من يناير 2021 حتى ديسمبر 2023:
535 طفلاً قُتلوا.
1,406 أطفال تعرضوا للتشويه والإصابة.
1,941 طفلاً وقعوا ضحايا للقتل أو التشويه.
هذه أرقام موثقة أممياً لفترة محددة، وليست إجمالي الضحايا منذ بداية الحرب.
والسؤال هنا: إذا كانت هذه الأعداد الموثقة أممياً تعكس جانباً من حجم الكارثة، فكم طفلاً آخر لم تصل قصته إلى لجان التحقيق والتوثيق؟
إن كل رقم في هذه التقارير وراءه اسم ووجه وأسرة وطفولة انتهت أو تغير مسارها إلى الأبد.
رابعاً:
الجريمة لا تنتهي عند توقف القصف
هناك حرب أخرى يعيشها أطفال اليمن، لا تقل قسوة عن الغارات الجوية.
إنها حرب الجوع والمرض وانهيار الخدمات التعليمية والصحية وتراجع فرص الحياة.
فوفق بيانات اليونيسف، يواجه ملايين الأطفال في اليمن احتياجات إنسانية حادة، ويعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينما حُرم نحو 3.2 مليون طفل من التعليم.
وهنا تتجاوز القضية حدود الخسائر العسكرية لتصبح قضية تدمير مقومات الحياة أمام جيل كامل.
فالطفل الذي يفقد مدرسته، والذي لا يجد الدواء، والذي ينام جائعاً، والذي يعيش في منزل مهدد بالقصف أو اضطر إلى مغادرته، هو أيضاً ضحية من ضحايا الحرب وتداعياتها.
خامساً:
من يحاسب؟ ولماذا يصمت المجتمع الدولي؟
تتحدث المواثيق الدولية عن حماية الأطفال والمدنيين، وتجرّم قواعد القانون الدولي الإنساني الهجمات المتعمدة والعشوائية وغير المتناسبة على المدنيين.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق.
لماذا لا نشهد تحقيقات دولية مستقلة وفاعلة في كل واقعة يسقط فيها أطفال اليمن؟
لماذا تتعدد بيانات القلق بينما تتكرر المآسي؟
ولماذا تتحول حماية الأطفال إلى قضية تتأثر بمواقف الدول وتحالفاتها ومصالحها السياسية؟
إن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تختلف قيمة دم الطفل باختلاف جنسيته أو موقعه الجغرافي أو هوية الجهة المتهمة بقتله.
والمطلوب اليوم:
فتح تحقيقات دولية مستقلة في مجازر المدنيين والأطفال.
إنشاء قاعدة بيانات موثقة بأسماء الضحايا وأعمارهم وظروف استهدافهم.
التحقيق في استهداف المنازل والأسواق والمدارس والمنشآت المدنية.
تحديد المسؤوليات القانونية الفردية والقيادية وفق الأدلة.
إحالة الجرائم التي تتوافر بشأنها أدلة كافية إلى الجهات القضائية المختصة.
ضمان حقوق الضحايا وأسرهم في الإنصاف والتعويض وجبر الضرر.
سادساً:
الحسابات العسكرية لا تمحو الجرائم
ما يجب أن تدركه الأطراف المتورطة في الحرب أن الحسابات العسكرية، مهما كانت أهدافها أو مبرراتها، لا تمنح حصانة من المسؤولية القانونية.
وهنا نضع ألف خط تحت عبارة الحسابات العسكرية.
فلا يمكن تسويق المجازر باعتبارها إنجازات، ولا تحويل قتل المدنيين إلى استعراض للقوة، ولا اعتبار سقوط الأطفال خسائر جانبية يمكن تجاوزها ببيان عسكري.
وإذا كان البعض يعتقد أن التفوق العسكري يمنحه حق فرض الوقائع بالقوة، فإن القانون الدولي لا يمنح أي طرف تفويضاً باستباحة حياة المدنيين.
إن دماء الأطفال ليست مادة للمساومة، وحقوق الضحايا لا تسقط بتغير موازين القوى، والمسؤولية عن الجرائم لا تختفي بتبدل الظروف السياسية.
الخلاصة:
أطفال اليمن.. قضية لا تقبل النسيان ولا تسقط بالتقادم
إن ما يحدث لأطفال اليمن ليس مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل قضية عدالة ومساءلة وحقوق أجيال.
من بني حشيش إلى الوازعية، ومن ضحايا الغارات إلى ضحايا الجوع والمرض والحرمان، تتسع دائرة الأسئلة وتتعاظم المسؤولية.
أي انتصار يمكن أن يُعلن فوق أنقاض منازل الأطفال؟ وأي إنجاز يمكن أن يُسوّق بينما تفقد الأسر أبناءها؟ وأي شرعية أخلاقية يمكن أن يتحدث عنها العالم وهو يعجز عن حماية أطفال لا يملكون سوى حقهم في الحياة؟
إن الشعب اليمني لن ينسى ضحاياه، ولن تتحول دماء أطفاله إلى أرقام منسية في أرشيف الحرب.
ولن تكون الذاكرة بديلاً عن العدالة، بل ستظل شاهداً ومطلباً حتى تُكشف الحقائق، وتُحدد المسؤوليات، ويُحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جرائم بحق المدنيين.
لسنا أمام أرقام في نشرات الأخبار، بل أمام وطن جُرحت طفولته، وأسر تنتظر الإنصاف، وأجيال من حقها أن تعرف من قتل أحلامها وسلبها حقها في الحياة.
إن جرائم الحرب لا تصنع مجداً، وقتل الأطفال ليس إنجازاً، والتاريخ لا يقف إلى جانب من يملكون القوة، بل يحتفظ بشهادة الضحايا وحقوقهم.
أطفال اليمن ليسوا وقوداً للحروب، ودماؤهم ليست رخيصة، والعدالة حق لن يسقط بالتقادم.
