من بني حشيش إلى تعز.. دماء اليمنيين تفضح سجل العدوان السعودي.. من المستفيد من استهداف العائلات والمدنيين؟
الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
مجزرة جديدة في سجل الحرب على اليمن، ومنازل تتحول إلى ركام، وعائلات تُنتزع من الحياة، ومسعفون ومواطنون يواجهون الخطر لإنقاذ الضحايا.. مشهد دموي يعيد طرح السؤال الكبير: لماذا يُستباح دم الشعب اليمني؟ ولخدمة أي مشروع تستمر هذه الحرب؟
لم يكن يوم السبت 7 نوفمبر 2026 يوماً عادياً في سجل المأساة اليمنية، بل كان يوماً ثقيلاً بالموت والدمار، كشفت أحداثه عن خطورة استمرار العمليات العسكرية واتساع دائرة الخطر على المدنيين.
في مديرية بني حشيش شرقي العاصمة صنعاء، استهدفت الغارات منازل سكنية في منطقة الشرية، لتسقط عائلات بأكملها بين شهيد وجريح، وفق الحصيلة الأولية المعلنة من الجهات الصحية اليمنية، والتي أشارت إلى سقوط 22 شهيداً وإصابة 30 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.
ولم تتوقف المأساة عند الضربة الأولى؛ إذ تحدثت التقارير اليمنية عن تتابع الغارات بالتزامن مع تجمع المواطنين وفرق الإسعاف والإنقاذ في محاولة لانتشال الضحايا وإسعاف المصابين، في مشهد يضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ويستدعي تحقيقاً مستقلاً في ملابساته.
من بني حشيش إلى الوازعية في محافظة تعز، تتكرر صور الألم اليمني، وتتحد حكايات الأسر التي فقدت أبناءها ومنازلها وأمانها. فالمنازل التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً تحولت إلى مواقع للدمار، والتجمعات المدنية باتت تواجه مخاطر القصف، فيما يدفع المواطنون الأبرياء ثمن صراع لا يبدو أن له نهاية قريبة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما الذي تريده السعودية من استمرار استهداف اليمن؟ وهل أصبحت دماء اليمنيين وسيلة لتحقيق حسابات إقليمية ومشاريع سياسية تتجاوز حدود اليمن؟
إن ما يجري لا يمكن فصله عن سنوات الحرب والحصار وما خلّفته من دمار في البنية التحتية والاقتصاد والقطاع الصحي والزراعي والصناعي، وما تعرضت له المصانع والمنشآت والمرافق المدنية من أضرار جسيمة.
فأي أمن يمكن أن يتحقق عبر ترويع السكان؟ وأي استقرار يمكن أن يُبنى فوق أنقاض المنازل وأشلاء العائلات؟ وأي مستقبل ينتظر المنطقة إذا ظلت لغة القوة والقصف والحصار هي الوسيلة المفروضة لحسم الخلافات؟
السعودية وإسرائيل.. تشابه في المأساة واختبار للضمير الدولي
تفرض مشاهد استهداف المدنيين في اليمن مقارنة مؤلمة مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم ودمار، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على غزة واتساع دائرة الاعتداءات الإسرائيلية.
إن حماية المدنيين ليست انتقائية، ولا يجوز أن تتغير قيمتها بتغير هوية الضحية أو الجهة المسؤولة عن الانتهاك.
وهنا تتكشف مفارقة الصمت الدولي: بيانات القلق تتكرر، والاجتماعات تتوالى، بينما تستمر معاناة الضحايا، وتظل المحاسبة دون المستوى الذي تتطلبه خطورة الانتهاكات المبلغ عنها.
لمن تُقدَّم دماء اليمنيين؟
إن استمرار الحرب على اليمن يفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة؛ فهل يتعلق الأمر بأمن الحدود فقط، أم أن هناك حسابات أوسع تتصل بالنفوذ الإقليمي والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي وموقع اليمن الاستراتيجي وثرواته وممراته البحرية؟
ومن حق الشعب اليمني أن يسأل عن المستفيد من إطالة أمد الصراع، وعن الجهات التي ترى في استمرار المواجهة وسيلة لتحقيق مصالحها.
فاليمن يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وثروات طبيعية وزراعية وسمكية، ويمتد تأثير موقعه الاستراتيجي إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
الجرائم لا تسقط بالتقادم.. والعدالة حق للشعب اليمني
إن ما شهدته بني حشيش والوازعية يستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، وتوثيقاً مهنياً للأدلة والشهادات، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مشاركته في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
لقد آن الأوان ليتوقف المجتمع الدولي عن التعامل مع المأساة اليمنية باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للتأجيل، فهناك شعب دفع ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه وموارده ومستقبله.
إن الشعب اليمني ليس عدواً لأحد، وليس أرضاً مستباحة، وليس رقماً في حسابات القوى المتصارعة. إنه شعب له تاريخه وكرامته وحقه في السيادة والأمن والاستقلال.
ستبقى دماء الضحايا حاضرة في الذاكرة الوطنية، وستظل المطالبة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم مطلباً لا يسقط بالتقادم.
فمن بني حشيش إلى تعز، ومن صنعاء إلى سائر المحافظات، يبقى السؤال الذي يلاحق مرتكبي هذه المآسي: كم من العائلات يجب أن تفقد أبناءها حتى يدرك العالم أن استمرار الحرب لا يصنع سلاماً، وأن دماء اليمنيين ليست ثمناً مشروعاً لأي مشروع إقليمي أو دولي؟
إعداد وتحرير: الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية
الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
