ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك التي تُقاس بالخسائر العسكرية أو تتكشّف على خطوط المواجهة، بل تلك التي تتسلّل إلى داخل مؤسساتها، فتدفع بعض أبنائها إلى التشكيك في الرواية التي نشأوا عليها، وفي جدوى السياسات التي خدموها، وفي الحدود الفاصلة بين الواجب والطاعة والمسؤولية الأخلاقية.
من هنا، تكتسب الرواية المتداولة والمنسوبة إلى الرائد الاحتياط الإسرائيلي عافدار شائيلوفسكي، تحت عنوان «لم أعد أطيق الصمت»، دلالتها القوية. فبحسب النص المنسوب إليه، يرتبط قرار مغادرته “إسرائيل” والانتقال إلى بولندا، أرض أجداده، برفضه ممارسات إسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
إن أهمية هذه الرواية لا تكمن في قرار المغادرة وحده، بل في الأسئلة التي يثيرها: ماذا يحدث عندما يصطدم الانتماء العسكري بالضمير الفردي؟ وهل تستطيع الدولة الحفاظ على تماسك مؤسساتها عندما تتسع الفجوة بين خطابها الأخلاقي وممارساتها الميدانية؟
هذه ليست أسئلة عن فرد فحسب، بل عن علاقة القوة بالشرعية، والطاعة بالمسؤولية، والحرب بقدرة المجتمع على الاستمرار في تبريرها.
أولاً: من الطاعة إلى الاعتراض — تصدّع داخل المؤسسة
تحتل المؤسسة العسكرية مكانة مركزية في بنية الدولة و”المجتمع الإسرائيليي”. فالخدمة العسكرية والاحتياط ليسا مجرد التزامين وظيفيين، بل جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها الهوية الوطنية والمكانة الاجتماعية والإحساس بالمسؤولية الجماعية.
لذلك، فإن اعتراض شخص خدم داخل المؤسسة العسكرية، إذا ثبتت دوافعه الأخلاقية والسياسية، يكتسب أهمية تتجاوز موقفه الشخصي. فهو يطرح سؤالاً جوهرياً: أين تنتهي الطاعة، وأين تبدأ المسؤولية الفردية عن الأفعال التي تُرتكب باسم الدولة؟
تحتاج الجيوش إلى الانضباط، لكن الانضباط لا يعفي الأفراد من المسؤولية الأخلاقية والقانونية. وعندما يرى بعضهم أن الممارسات التي يشاركون فيها أو يشهدونها تتعارض مع قناعاتهم، قد يتحول الالتزام المؤسسي إلى أزمة ضمير.
لا يعني ذلك أن كل مغادرة للجيش احتجاج سياسي، أو أن اعتراض فرد واحد يكشف انهيار المؤسسة. لكن تكرار الاعتراضات، إذا ثبت واتسع، يمكن أن يشير إلى خلل أعمق في العلاقة بين القيادة وأفرادها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأهداف الحرب وحدود استخدام القوة.
فالمؤسسة العسكرية لا تُختبر بقدرتها على فرض الانضباط فحسب، بل بقدرتها أيضاً على الحفاظ على ثقة من يخدمون فيها.
ثانياً: غزة واختبار الرواية الإسرائيلية
تواجه الرواية الإسرائيلية الرسمية اختباراً متزايداً في ظل الحرب على غزة، بما رافقها من دمار واسع ونزوح ومعاناة إنسانية، إلى جانب التطورات في الضفة الغربية. وقد أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة أسئلة جوهرية عن حماية المدنيين، والتناسب في استخدام القوة، والمسؤولية عن الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.
لا تكمن المسألة في أن الدول تخوض الحروب وتبرر عملياتها الأمنية؛ فهذا جزء مألوف من سلوك الدول في النزاعات. بل تكمن في حدود التبرير نفسه: هل يكفي إعلان هدف أمني لمنح كل وسيلة مستخدمة شرعيتها؟ وهل يمكن اختزال المسؤولية القانونية والأخلاقية في خطاب الضرورة العسكرية؟
إن وجود تهديد أمني لا يلغي الالتزامات المتعلقة بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. كما أن التفوق العسكري لا يمنح حصانة من المساءلة.
وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات الصادرة عن أشخاص خدموا داخل المؤسسة العسكرية أهمية خاصة، لأنها قد تتيح فهماً لبعض التناقضات التي يواجهها الأفراد بين الأهداف المعلنة والتجارب الميدانية.
إذا ثبت أن شائيلوفسكي غادر بدافع رفض ممارسات محددة، فإن موقفه يعبّر عن صدام بين الرواية التي تمنح الحرب معناها السياسي، والتقييم الأخلاقي الذي يصدر عن الفرد في ضوء ما يراه أو يختبره.
وهنا تبدأ أزمة الرواية الرسمية: ليس عندما يعارضها خصوم الدولة وحدهم، بل عندما يعجز بعض من خدموا مؤسساتها عن التوفيق بينها وبين قناعاتهم.
ثالثاً: بولندا والعودة إلى الجذور — مغادرة جغرافية أم قطيعة معنوية؟
تكتسب الإشارة إلى بولندا، بوصفها أرض الأجداد، دلالة إضافية إذا ثبت أن صاحب الشهادة ربط انتقاله إليها برفضه للواقع السياسي والعسكري في “إسرائيل”.
فالمغادرة في هذه الحالة لا تُقرأ باعتبارها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل قد تعبّر عن محاولة للابتعاد عن بيئة لم يعد الفرد يشعر بالقدرة على الانتماء إليها من دون تناقض مع ضميره.
وتبرز هنا مفارقة تاريخية: فالمشروع الصهيوني استند إلى فكرة العودة إلى أرض تاريخية وإقامة وطن قومي لليهود، بينما قد تعبّر عودة فرد إلى بلد أجداده عن بحث مختلف، يتصل بالحياة الشخصية أو الرفض السياسي أو الرغبة في بدء مرحلة جديدة.
المهم، ليس الوجهة التي اختارها صاحبها بقدر ما هو السبب الذي دفعه إلى المغادرة. فحين تتحول الهجرة إلى موقف معلن من سياسات الدولة، تصبح جزءاً من نقاش أوسع حول الانتماء والشرعية والقدرة على التوفيق بين الهوية والموقف الأخلاقي.
رابعاً: متى يتحول الاعتراض الفردي إلى أزمة مؤسسية؟
لا تُقاس متانة المؤسسات العسكرية بعدد جنودها وتسليحها وحدهما. فهي تعتمد أيضاً على الاستعداد للخدمة، والثقة بالقيادة، ووضوح الأهداف، والاعتقاد بأن التضحيات المطلوبة قابلة للتبرير.
وتزداد أهمية هذه العناصر في إسرائيل، حيث يشكّل الاحتياط حلقة وصل مباشرة بين الجيش والمجتمع. فالجندي الاحتياط يعود من الخدمة إلى حياته المدنية، حاملاً معه تجربة قد تعيد تشكيل مواقفه السياسية والأخلاقية.
ومن هنا، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات من التصدّع:
تصدّع أخلاقي: عندما يرى الفرد تعارضاً بين الممارسات العسكرية وقناعاته أو المعايير التي يؤمن بها.
تصدّع سياسي: عندما يفقد الثقة بأهداف الحرب أو بقدرة القيادة على تحويل العمليات العسكرية إلى نتيجة سياسية واضحة.
تصدّع اجتماعي: عندما تتزايد الخلافات بشأن توزيع أعباء الحرب، أو تتراجع الثقة في القيادة وفي عدالة القرارات التي تتخذها.
قد تبقى هذه الاعتراضات محدودة، وقد تنجح المؤسسة في استيعابها. لكن تراكمها واتساعها يمكن أن يؤثرا في استعداد الأفراد للخدمة وفي قدرة القيادة على الحفاظ على التماسك الداخلي.
ومع ذلك، لا تكفي شهادة واحدة لإثبات وجود أزمة مؤسسية شاملة. فذلك يحتاج إلى مؤشرات مستقلة، مثل بيانات الخدمة والاحتياط، واستطلاعات الرأي، وشهادات موثقة متعددة، وتحليل التحولات في المواقف السياسية والاجتماعية.
العلامة الفارقة ليست وجود المعترضين، بل ما إذا كان اعتراضهم يتراكم ويتحول إلى أزمة ثقة يصعب احتواؤها.
خامساً: أزمة تتجاوز الداخل الإسرائيلي
لم تعد تداعيات الحرب محصورة في الميدان. فقد أثارت الحرب على غزة انتقادات دولية واسعة، وأفضت إلى تحركات قانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن توترات دبلوماسية ونقاشات متصاعدة حول المسؤولية عن الانتهاكات المحتملة.
ومن الضروري التمييز بين المسارات القانونية المختلفة: فمحكمة العدل الدولية تنظر في النزاعات بين الدول ضمن اختصاصها، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بالمسؤولية الجنائية للأفراد ضمن الشروط القانونية ذات الصلة. كما يجب التمييز بين التدابير المؤقتة والاتهامات والإجراءات القضائية والأحكام النهائية.
لكن الأثر السياسي لهذه التطورات يتجاوز تفاصيلها القانونية. فكلما اتسعت الانتقادات وتراجعت الثقة الدولية بالسياسات الإسرائيلية، ازدادت الضغوط على الحكومة لتبرير خياراتها، سواء أمام حلفائها أو أمام جمهورها الداخلي.
ولا تؤدي الضغوط الدولية بالضرورة إلى تغيير السياسة؛ فقد تقود إلى مراجعتها، أو إلى مقاومتها، أو إلى استخدامها لتعزيز التعبئة الداخلية. غير أنها تضيف كلفة سياسية ودبلوماسية إلى كلفة الحرب العسكرية والإنسانية.
سادساً: القوة العسكرية لا تضمن النتيجة السياسية
تاريخ الحروب مليء بأمثلة على الفارق بين القدرة على تدمير الخصم والقدرة على تحقيق تسوية سياسية مستقرة. فقد تحقق الجيوش مكاسب ميدانية واسعة، من دون أن تتمكن من إنتاج واقع سياسي يضمن الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
وفي الحالة الإسرائيلية، يتوقف مسار الحرب وتداعياتها الداخلية على جملة من العوامل: وضوح الأهداف السياسية، وكلفة العمليات، وقدرة المجتمع على تحمل التعبئة، والعلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، وحجم الضغوط الدولية.
إذا اتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة، فقد يصبح تبرير استمرار الحرب أكثر صعوبة. وإذا تراكمت الأعباء من دون أفق سياسي واضح، فقد تتراجع الثقة بالقيادة، حتى بين فئات لا تعارض الأهداف الأمنية للدولة من حيث المبدأ.
لكن هذه احتمالات مشروطة، لا نتائج حتمية. فالدول قد تستمر في سياسات مكلفة رغم الانتقادات الداخلية والخارجية، وقد تمتص الاعتراضات من دون أن تغيّر مسارها. لذلك، فإن تقييم مستقبل إسرائيل لا ينبغي أن يستند إلى توقعات بانهيار وشيك، بل إلى مراقبة المؤشرات الفعلية للتحول السياسي والاجتماعي والمؤسسي.
خاتمة: حين تصبح أزمة الضمير سؤالاً عن شرعية القوة
إن الشهادة المنسوبة إلى الرائد الاحتياط عافدار شائيلوفسكي، تستحق القراءة بوصفها تعبيراً عن صراع بين الانتماء المؤسسي والمسؤولية الأخلاقية، وبين الرواية الرسمية والتجربة الفردية.
لكن دلالتها الأعمق لا تكمن في أنها تثبت انهيار الجيش الإسرائيلي أو الدولة، بل في السؤال الذي تطرحه: ماذا يحدث عندما لا يعود بعض من خدموا المؤسسة قادرين على التوفيق بين واجبهم السابق وقناعاتهم الأخلاقية؟
إن الدولة تستطيع فرض الانضباط، لكنها لا تستطيع أن تضمن الاقتناع بالقوة وحدها. والجيش يستطيع تحقيق مكاسب ميدانية، لكنه لا يملك وحده الإجابة عن الأسئلة السياسية والأخلاقية التي تتركها الحرب وراءها.
أما في غزة، فإن الدمار والمعاناة الإنسانية لا يختفيان بمجرد إعلان أهداف عسكرية، كما أن المساءلة القانونية لا تُحسم بالشعارات أو المواقف السياسية، بل بالأدلة والقواعد القانونية المختصة.
لهذا، فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد الأصوات المعترضة وحده، بل قدرة المؤسسات على مواجهة أسئلتها، وقدرة القيادة على تبرير قراراتها، وقدرة الدولة على درجة التزاماتها القانونية والأخلاقية.
فالقوة قد تفرض واقعاً، لكنها لا تمنحه شرعية تلقائياً. والطاعة قد تضمن الصمت، لكنها لا تصنع الاقتناع. وعندما يصبح الصمت عبئاً أخلاقياً على من خدموا المؤسسة، فإن السؤال لا يعود عن فرد قرر المغادرة فحسب، بل عن طبيعة السياسات التي جعلت البقاء موضع تساؤل.
د. نبيلة عفيف غصن
