كرسيّ للاحتفال ووطنٌ ينزف
في الشرق، كثيراً ما يتحوّل الكرسي من موقعٍ للمسؤولية إلى غاية للصراع، ومن وسيلة لخدمة المجتمع إلى امتياز يتشبّث به أصحابه. لكنّ المشهد يصبح أكثر فداحة حين تنشغل الطبقة السياسية بالاحتفالات والمظاهر، فيما يواجه جزء من الوطن التدمير والتهجير، ويُترك أهله لمواجهة مصيرهم وسط الخراب والقلق.
من هنا، لا يعود «الكرسي الأزرق» للفنانة الفرنسية سابين جيرودي، المعروف بكرسي ساب، والمقام على كورنيش بيروت، مجرّد عمل فني قابل للتأويل. فالمشهد يكتسب دلالة سياسية وإنسانية أشدّ إيلاماً حين نضعه في مواجهة ما يتعرّض له جنوب لبنان من تدمير على يد الكيان الصهيوني، وما يعيشه سكان القرى من تهجير ونزوح، فيما يستمرّ الاحتلال في تصعيد اعتداءاته وتوسيع دائرة معاناة الناس.
ليست المشكلة في الفنّ، ولا في حقّ بيروت في الاحتفاء بالجمال والحياة، بل في توقيت الاستعراض ودلالته، وفي غياب الإحساس بوحدة المصير الوطني. كيف يمكن أن تُضاء الواجهات وتُفتتح النُصُب وتُقام الاحتفالات، فيما قرى تُدمَّر، وأرض تُحرق، وعائلات تُقتلع من بيوتها، وأهلٌ ينتظرون العودة إلى حياة لم تعد تشبه ما تركوه وراءهم؟
بيروت والجنوب: وطن واحد أم واقعان منفصلان؟
المشهد الأكثر إيلاماً ليس وجود الكرسي الأزرق على الواجهة البحرية لبيروت، بل احتمال أن يبدو وكأنّ المدينة منفصلة عمّا يجري وراء حدود مشهدها الاحتفالي.
في الجنوب، يعيش السكان تبعات الاعتداءات والتدمير والتهجير، وتواجه القرى مخاطر تطال الأرض والمنازل ومقوّمات الحياة. وفي المقابل، تستمرّ مظاهر الحياة الاحتفالية في العاصمة، وكأنّ المأساة تقع في جغرافيا بعيدة لا تمسّ الوطن كلّه.
هنا تبرز المسألة الوطنية في أعمق معانيها: هل الوطن مجرّد حدود جغرافية تجمع مناطق متجاورة، أم هو وحدة في الوجدان والمسؤولية والمصير؟
إنّ بيروت ليست جزيرة منفصلة عن الجنوب، والجنوب ليس هامشاً يمكن أن يُترك لمواجهة مصيره وحده. ما يصيب قرية جنوبية ليس شأناً محلياً يخصّ سكانها فقط، وما يدمَّر من أرض لبنان لا يمكن اختزاله في أرقام أو أخبار عابرة. إنّه مساس بحياة الناس وذاكرتهم وحقّهم في أرضهم وأمانهم وعودتهم إلى بيوتهم.
ولا يعني ذلك أنّ على العاصمة أن تتوقّف عن الحياة، أو أن يصبح الفنّ والفرح ممنوعين في زمن الحرب. بل يعني أنّ الاحتفال، حين يجري من دون أيّ تعبير ملموس عن التضامن مع المنكوبين، ومن دون أن يتقدّم الاهتمام بمصيرهم على حسابات الصورة والمشهد، قد يتحوّل إلى علامة على خلل عميق في ترتيب الأولويات.
المأساة ليست أن تحتفل بيروت، بل أن تبدو كأنّها لا ترى ما يحدث في الجنوب.
الكرسي الأزرق وصراع الأولويات
يستوقفنا هذا الكرسي بحجمه ولونه وإطلالته على المتوسط، لكنّ المفارقة السياسية تكمن في التباعد بين رمزية المقعد وما يجري على الأرض.
فبينما تتنافس القوى السياسية على المواقع والامتيازات، يواجه المواطنون في الجنوب أسئلة أكثر إلحاحاً: متى يعودون إلى بيوتهم؟ من يعيد إعمار ما دُمّر؟ كيف تُحمى القرى، وتُصان حقوق أهلها، وتُؤمَّن لهم شروط الحياة الكريمة؟
هذه ليست أسئلة هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الاحتفالات. إنّها جوهر المسؤولية السياسية والوطنية.
فالسلطة التي تنشغل بإدارة صورتها فيما تتفاقم معاناة مواطنيها تُخاطر بفقدان معناها الأخلاقي قبل السياسي. والمنصب الذي لا يُترجم إلى مسؤولية فعلية تجاه الناس يصبح عبئاً على الدولة، مهما أحاط به أصحابه من مظاهر الهيبة والاحتفال.
خاتمة: لا يليق بالوطن أن يحتفل جزءٌ منه فيما يُدمَّر جزءه الآخر
ليس المطلوب إلغاء الفنّ، ولا إغلاق أبواب الحياة في بيروت، بل استعادة التوازن بين حقّ الناس في الفرح وواجب السلطة في تحمّل مسؤولياتها الوطنية. فالجمال لا يتناقض مع التضامن، والاحتفال لا يتعارض مع الوقوف إلى جانب المهجّرين، لكنّ كلّ ذلك يفقد معناه حين تصبح الصورة أهمّ من الإنسان، والمشهد أهمّ من المأساة.
إنّ الكرسي الأزرق، في هذا التوقيت، يطرح سؤالاً يتجاوز الفنّ والسياسة: أيّ سلطة هذه التي تستطيع تنظيم الاحتفالات، فيما يعجز الوطن عن توفير الطمأنينة لأهله؟ وأيّ معنى للمواقع والمناصب إذا ظلّ أبناء القرى المدمّرة ينتظرون العودة، فيما تتواصل الاعتداءات ويزداد الاحتلال استشراساً؟
لا يمكن لبيروت أن تكون بخير فيما الجنوب يُدمَّر، ولا يمكن للطبقة السياسية أن تتصرّف وكأنّ المأساة تقع خارج حدود مسؤوليتها. فالوطن ليس واجهة بحرية تُضاء للاحتفال، ولا عاصمة تُختزل في مناسباتها، بل أرض واحدة وناسٌ تتشابك مصائرهم، وكرامة لا تتجزّأ بين منطقة وأخرى.
وإذا كان الكرسي الأزرق قد شُيّد ليكون علامة جمالية على شاطئ بيروت، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تعني كلّ هذه المظاهر إذا كان الإنسان الذي يُفترض أن تكون الدولة في خدمته مشرّداً عن بيته، مهدّداً في أرضه، ومعلّقاً بين النزوح والعودة؟
حين يُدمَّر الجنوب وتُهجَّر قراه، لا تكون المشكلة في كرسيّ يُفتتح، بل في سلطة لا تدرك أنّ واجبها الأول هو حماية الإنسان والوطن. وحين تنشغل السياسة بالاستعراض فيما الأرض تحترق، يصبح الصمت عن المأساة أفدح من كلّ مظاهر الاحتفال.
د. نبيلة عفيف غصن
