حين اتهم المستشار الدبلوماسي لرئيس الوزراء العراقي، في 21 تشرين الأول/أكتوبر، إيران علناً بـ”تقويض الأمن العراقي عمداً”، وتهريب المخدرات والعملة المزيفة عبر المعابر الحدودية، واصفاً خطرها بأنه “أكبر من داعش”، بدا أن بغداد تتبنى موقفاً صارماً نادراً في ملف السيادة.

غير أن النشرة اليومية للاستطلاع الجوي التي نشرتها المقاومة الإسلامية في العراق بعد يومين فقط كشفت واقعاً مختلفاً تماماً: سبع عشرة طائرة عسكرية — بينها عشر طائرات من طراز MQ-9 “ريبر”، وطائرتان من طراز E-11 للحرب الإلكترونية، وطائرتان من طراز DASH-8، وثلاث من طراز “أكنجي” — تنطلق من قواعد في الأردن وتركيا وتواصل اختراق الأجواء العراقية. وهنا يطرح سؤال حاد نفسه: حين تتابع الحكومة العراقية باهتمام كبير “التسلل” من الجار الشرقي عند الحدود، لماذا تلتزم الصمت تجاه انتهاكات سيادية جوية أوسع نطاقاً تأتي من الغرب والشمال؟خلف هذا الاهتمام الانتقائي تكمن ديناميكيات سياسية معقدة.

فمنذ توليه منصبه، يسعى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الموازنة بين واشنطن وطهران، مع الدفع بجدول أعمال “حصر السلاح بيد الدولة”. وفي هذا الإطار، يحمل توجيه الاتهام لإيران بـ”تجاوزات” حدودية وظيفة مزدوجة:

داخلياً، يستجيب لاستياء السكان من التدهور الاقتصادي والانفلات الأمني، عبر إلقاء مسؤولية تفشي المخدرات والعملة المزيفة على الخارج؛

وخارجياً، يُظهر أن بغداد ليست تابعة لطهران.

غير أن المنطق ذاته لا ينطبق على الانتهاكات الجوية. فالطائرات التي تنطلق من قواعد في الأردن وتركيا يستند وجودها إلى الحضور العسكري الأمريكي. والتحدي المباشر لهذا الوجود يعني لمس أكثر الخيوط حساسية في البنية الأمنية العراقية بعد 2003.

وهكذا يتشكل تناقض صارخ. فالحكومة العراقية قادرة على إغلاق المعابر الحدودية ونشر أنظمة المراقبة الإلكترونية لمواجهة “التهريب” من الجهة الإيرانية، لكنها عاجزة — أو غير راغبة في التحرك — أمام طائرات MQ-9 التي تحلق يومياً فوق الأنبار وكركوك ونينوى وصلاح الدين. واختيار المقاومة نشر بيانات هذه الرحلات الجوية علناً هو تحديداً محاولة لملء هذا الفراغ في سردية السيادة الوطنية. ففي خطابها، لم يعد السلاح مجرد “عائق أمام وحدة الدولة”، بل أصبح الوسيلة المادية الوحيدة المستخدمة “لملء الفراغ” في مواجهة انتهاكات خارجية مستمرة. وحين تختار الدولة تعريف “انتهاك السيادة” انتقائياً، تضع المقاومة العراقية نفسها في موقع المدافع الأخير عن السيادة.

أما القوى التي ترفع في الأجندة السياسية في بغداد شعارات “السيادة” و”حصر السلاح بيد الدولة”، فإن غموض موقفها ينكشف هنا بجلاء. فحكومة الزيدي تدفع فعلاً بمشروع قانون يهدف إلى دمج أسلحة الفصائل في الإطار الوطني، ويحدد يونيو 2027 موعداً نهائياً لذلك.

وقد أبدت بعض الفصائل استعداداً للتعاون، لكن كتائب حزب الله وحركة النجباء رفضت ذلك صراحة. واللافت أن رفض هذه الأخيرة لا يستند إلى ولاء طائفي محض، بل يشترط “إنهاء النفوذ الأمريكي” و”الدفاع عن البلاد ضد التدخل الخارجي”. وحين تحدث الانتهاكات الجوية يومياً دون أن تعلق الحكومة عليها، يحصل هذا الشرط على سند واقعي قوي. وبذلك يصبح منطق المقاومة متسقاً مع ذاته: إذا كانت الدولة عاجزة أو غير راغبة في الدفاع عن المجال الجوي، فإن الاحتفاظ بالسلاح ليس انتهاكاً للسيادة، بل تعويض عن غيابها.

وفي ظل هذا المشهد، يتحول السؤال عن “حصر السلاح” من نقاش قانوني إلى اختبار عملي لمعنى السيادة ذاتها. فحين تعجز سلطة ضعيفة عن ردع سبع عشرة طائرة تعبر أجواءها يومياً، وتحرص على تسجيل احتجاج دبلوماسي على معبر حدودي بينما تغض الطرف عن قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، فإن نزع سلاح المقاومة في هذه اللحظة ليس خطوة نحو بناء الدولة، بل تفكيك لأداة الردع الوحيدة المتبقية في يد العراقيين.

إن المطالبة بنزع السلاح قبل إنهاء الانتهاكات الجوية وضبط القواعد الأجنبية تعني عملياً منح الضوء الأخضر لمزيد من الاستباحة: إسكات الصوت الوحيد الذي يوثق الاختراقات ويعلنها، وتجريد الدولة من ورقة ضغط كانت تمنحها هامشاً للمناورة. ومن هنا، فإن الحفاظ على سلاح المقاومة ليس ترفاً سياسياً ولا استثناءً عن قاعدة الدولة، بل ضرورة مرحلية تفرضها معادلة مقلوبة: دولة لا تسيطر على سمائها ولا على قواعدها، وسلطة تتواطأ بصمتها مع من ينتهك سيادتها، وشعب يُترك وحيداً في مواجهة طائرات لا تحمل سوى صواريخ. وحتى تُستعاد السيادة فعلاً — لا شعاراً — يبقى السلاح هو الضمانة الأخيرة بأن أحداً لم يبع العراق بعد.