شهدت فرنسا وعدد من الدول الأوروبية السبت موجة احتجاجات جديدة، تصدرت فيها فرنسا المشهد وسط إجراءات أمنية مشددة. وبينما تبدو المطالب المعلنة اجتماعية واقتصادية، فإن العمق يعكس قلقاً جماعياً لدى جيل الشباب من انهيار “العقد بين الأجيال”، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع المديونية، ما يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار مزدوج: القدرة على الحوكمة، وصيانة العقد الاجتماعي.

فرنسا: مواجهة تحت الضغط وأوراق ضغط سياسية

شهدت فرنسا السبت موجة احتجاجات وطنية جديدة. وأعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 410 آلاف متظاهر، بينما قالت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) إن العدد بلغ 800 ألف. ونشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي ودركي في أنحاء البلاد، مع استخدام مروحيات ومدرعات.

وحتى عصر السبت، أوقفت الشرطة 135 شخصاً على الأقل، واستخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق الحشود في باريس وليون ومرسيليا وليل. وبسبب اعتبارات أمنية، أُغلقت متاحف بارزة بينها اللوفر وأورسيه. وفي أورليان، كان التجمع الوطني (RN) اليميني المتطرف يعقد مؤتمره، فيما تجمع آلاف المعارضين لليمين المتطرف في الشارع، ما زاد من حدة التوتر السياسي ذلك اليوم.وتطورت مطالب المحتجين من حركة طلابية في البداية إلى سخط عام على تكاليف المعيشة وجودة الخدمات العامة. وفي باريس، اندمج المتظاهرون مع النقابات وحركة “السترات الصفراء”، مطالبين برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة ميزانية التعليم وتجميد زيادات الإيجارات.

امتداد أوروبي

امتدت الاضطرابات إلى عموم القارة حول محاور متقاربة: السكن، وكلفة التعليم، والقدرة الشرائية.في إسبانيا، تجمع نحو 250 ألف شخص في وسط مدريد، حيث لم تقتصر الاحتجاجات على ارتفاع الإيجارات، بل انضم متقاعدون للمطالبة بالحفاظ على استدامة نظام المعاشات العامة، وهو ملف بات محورياً قبل الانتخابات المبكرة أواخر نوفمبر. وفي إيطاليا، شهدت روما وميلانو احتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، وعززت السلطات في ميلانو الإجراءات حول المنطقة التجارية ونشرت 500 جندي للمساعدة في حفظ الأمن. وفي بلجيكا، عبّر الطلاب عن استيائهم من وضع النظام التعليمي، وتضامنوا مع الحركة الطلابية الفرنسية.

المنطق العميق: “عقد الأجيال” المستنزف

رغم اختلاف الشرارات المباشرة في كل دولة، يتفق المحللون على أن المحرك الأساسي لهذه الموجة هو شعور جيل Z باليأس تجاه المستقبل.ويكمن التحدي الجوهري أمام صانعي السياسات الأوروبيين في ضعف الأساس الاقتصادي. فقد خُفّض توقع نمو منطقة اليورو لعام 2026 إلى 1.1%، ولا يزال التضخم فوق المستهدف رغم تراجعه عن ذروته، فيما تتقلب أسعار الطاقة بسبب الاضطرابات الجيوسياسية. وينتقل هذا الضغط الكلي مباشرة إلى المستوى الجزئي: فالشباب يواجهون كلفة سكن مرتفعة (نحو 27% من الفئة العمرية 15-29 في الاتحاد الأوروبي يعيشون في مساكن مزدحمة) وسوق عمل غير مستقرة (تتأثر الوظائف المبتدئة بالذكاء الاصطناعي).

وكما أشار محللون لشبكة CNN، فإن الشباب الأوروبي يرون أن “وعد الديمقراطية الليبرالية — بأن يعيش الجيل القادم أفضل من الجيل الحالي — لم يعد قائماً”. وهذا الشعور بالحرمان يجعل الاحتجاجات قابلة للعبور بين الحدود والتضامن المتبادل. فقد رفع طلاب إيطاليون شعارات “مثل فرنسا”، ونصب شباب في اليونان والبرتغال خياماً احتجاجاً على ارتفاع الإيجارات.

أوروبا ما بعد الحداثة: انفلات جيل Z ومخاطر الفوضى

في قراءة أعمق، يُطرح السؤال حول ما إذا كانت هذه الموجة مجرد تعبير عن ضائقة اقتصادية عابرة، أم أنها مؤشر على تحول بنيوي أوسع. يذهب بعض المحللين إلى أن أوروبا ما بعد الحداثة، بتركيزها على التفكيك والتنوع وتعدد المرجعيات، أنتجت حالة من الانفلات لدى جيل Z، الذي يفتقد إلى إطار مرجعي جامع ويجد نفسه أمام واقع تتناقض فيه الوعود مع الإمكانات الفعلية. وتتجلى هذه الحالة في تراجع الثقة بالمؤسسات، وتفتت الروابط الاجتماعية، وصعود أشكال احتجاج غير تقليدية تتجاوز القنوات السياسية التقليدية.ولا يقتصر هذا الانفلات على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الثقافي والقيمي، حيث يصبح الشارع فضاءً للتعبير عن هويات متشظية ومطالب متباينة، ما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، يحذر مراقبون من أن الفوضى قد لا تكون نتيجة عرضية، بل قد تكون قابلة للاستثمار من قبل نخب أوليغارشية عابرة للقارات، تستفيد من ارتباك الدولة الوطنية وضعف قدرتها على التنظيم، لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.ومع ذلك، تبقى هذه القراءة موضع جدل. فمن ناحية، تعكس الاحتجاجات مظالم حقيقية مرتبطة بالمعيشة والسكن والتعليم. ومن ناحية أخرى، فإن إرجاعها إلى “ما بعد الحداثة” قد يخاطر بتبسيط أسباب معقدة واختزالها في تفسير ثقافي أحادي. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأوروبي الأبرز هو كيفية استعادة الثقة بين الأجيال، وإعادة بناء عقد اجتماعي يلبي تطلعات الشباب دون أن ينزلق إلى الفوضى أو الانغلاق.