في تطوّر عسكري لافت يعكس تصاعد وتيرة المواجهة بين صنعاء والرياض، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ سبع عمليات عسكرية وصفتها بـ”النوعية”، استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في العمق السعودي.
وجاء الإعلان ليؤكد مجدداً أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد لم تحقق أهدافها المعلنة، وأن معادلة الردع المتبادلة ما زالت تفرض نفسها على المشهد الإقليمي رغم كل محاولات القفز فوقها.
تفاصيل العمليات السبع وأهدافها
بحسب بيان القوات المسلحة اليمنية، توزّعت العمليات السبع على أهداف حساسة في العمق السعودي، وجاءت على النحو التالي:
العملية الأولى: استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، على مرحلتين، بزعم “الإصابة الدقيقة”.
العملية الثانية: استهداف منشآت شركة أرامكو في ينبع، بزعم “الإصابة الدقيقة”.
العملية الثالثة: استهداف مصفاة رابغ، بزعم “تحقيق الهدف بنجاح”.
العملية الرابعة: استهداف محطات ضخ النفط وخط الأنابيب الشرقي الغربي، بزعم “تحقيق الهدف بنجاح”.
العملية الخامسة: استهداف مطار الملك فهد الدولي في الدمام، بزعم إصابة دقيقة أدت إلى تعطل الحركة الجوية في المطار.
العملية السادسة: استهداف مطار نجران، بزعم “الإصابة الدقيقة المباشرة”.
العملية السابعة: استهداف قاعدة خميس مشيط الجوية، بزعم “الإصابة المباشرة”.
ووصف البيان هذه العمليات بأنها رد على 100 غارة جوية شنّها الجانب السعودي خلال الساعات الـ24 الماضية، مشيراً إلى أن إجمالي الغارات والهجمات الصاروخية السعودية منذ بدء هذا التصعيد بلغ 3123.
وأكدت القوات اليمنية استمرارها في مبدأ “الحصار مقابل الحصار، والتصعيد مقابل التصعيد” حتى يتوقف العدوان ويُرفع الحصار.وتكتسب هذه العمليات أهميتها من كونها تأتي في سياق تصعيدي متبادل، حيث سبقها سلسلة غارات جوية شنّها التحالف العسكري بقيادة السعودية على مناطق يمنية مختلفة، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية. وهو ما يعني أن الإعلان عن العمليات السبع لم يكن حدثاً منفصلاً عن سياقه، بل حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات التي أثبتت أن الخيار العسكري لم يعد حاسماً لصالح أي طرف.
سياق الصمود اليمني أمام العدوان
لا يمكن قراءة هذه العمليات بمعزل عن أحد عشر عاماً من الحرب التي شهدت صموداً يمنياً استثنائياً في وجه تحالف عسكري واسع تقوده السعودية بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، وظهير سياسي وأمني من الكيان الصهيوني.
فقد انطلقت “عاصفة الحزم” في مارس 2015، ولم تتوقف العمليات العسكرية فعلياً منذ ذلك الحين رغم تغيّر مسمّياتها، لتتحول الحرب إلى أطول صراع عسكري في المنطقة خلال العقود الأخيرة.وقد تحوّل هذا الصمود من مجرد مقاومة دفاعية إلى استراتيجية متكاملة أفرزت قدرات صاروخية وصناعات عسكرية محلية، وأعادت تعريف موازين القوة في الميدان. وعلى الرغم من القصف الجوي المكثّف والحصار البري والبحري والجوي، لم تتمكن آلة الحرب من كسر إرادة الشعب اليمني أو إخضاعه سياسياً. بل على العكس، فإن كل جولة تصعيد كانت تُقابل بردٍّ أشد، وهو ما يجعل من الإعلان الأخير عن العمليات السبع رسالة واضحة مفادها أن اليمن بات يمتلك من القدرات ما يخوّله فرض معادلة الردع على خصومه، وأن استراتيجية “الضغط العسكري حتى الاستسلام” قد فشلت فشلاً ذريعاً.
فشل التحالف العسكري في تغيير المعادلة
تكشف العمليات السبع عن خلاصة مهمة، وهي أن التحالف العسكري بقيادة السعودية لم ينجح خلال أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب في تغيير معادلة الميدان لصالحه. فبدلاً من تحقيق أهدافه المعلنة في إعادة السيطرة على العاصمة صنعاء وكسر شوكة المقاومة، وجد التحالف نفسه مضطراً للتعامل مع واقع جديد تفرضه صنعاء: معادلة الردع المتبادل التي جعلت العاصمة السعودية ومدنها الجنوبية في مرمى النيران اليمنية، كما تجلّى ذلك في استهداف مطارات الرياض والدمام ونجران وخميس مشيط.
وقد أثبتت التجربة أن الحل العسكري لم يكن يوماً طريقاً واقعياً لإنهاء الصراع، وأن الاستمرار في المراهنة عليه لا يزيد إلا في تعميق الأزمة الإنسانية ورفع كلفة الحرب على جميع الأطراف. وفي المقابل، يبرز الصمود اليمني كنموذج على أن الشعوب عندما تُستهدف بكل وسائل القوة، فإنها قادرة على تطوير أدوات ردعها الخاصة، وعلى فرض شروطها في أي تسوية مقبلة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل أن الرياض سعت لاحقاً إلى بناء أطر دفاعية إقليمية متعددة، من بينها “اتفاق مكة للدفاع المشترك” الثلاثي مع باكستان وتركيا الموقّع في أغسطس 2019، غير أن هذه الأطر لم تُترجم إلى تغيير ملموس في موازين القوى على الأرض اليمنية.
تداعيات إقليمية ودولية
على المستوى الإقليمي، تعكس هذه العمليات تصاعداً في منسوب التوتر في منطقة الخليج والبحر الأحمر، وهو ما قد ينعكس على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة. أما على المستوى الدولي، فإن استمرار الدعم الأمريكي والغطاء الغربي للعمليات العسكرية في اليمن بات محل انتقاد متزايد، في ظل تقارير دولية تُحمّل التحالف مسؤولية الأزمة الإنسانية الأكبر في العالم.
ومن المرجّح أن تدفع هذه العمليات أطرافاً إقليمية إلى إعادة تقييم حساباتها، خصوصاً في ظل الحديث عن مساعٍ دبلوماسية لإنهاء الحرب. فالقدرات اليمنية المتنامية تجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية غير قابلة للتجاهل، وتفرض على الرياض وشركائها التعامل مع صنعاء كطرف قادر على التأثير المباشر في أمن المنطقة، لا كطرف يمكن إملاء الشروط عليه.
خاتمة
في المحصلة، تشكّل العمليات السبع رسالة استراتيجية بليغة: أن اليمن الذي يواجه حرباً مدعومة أمريكياً وصهيونياً منذ أكثر من أحد عشر عاماً، لم يستسلم ولن يستسلم، وأن التحالف العسكري الذي راهن على الحسم السريع وجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً. وبينما تستمر معاناة الشعب اليمني الإنسانية، فإن صموده وتمسّكه بحقوقه المشروعة يبقى العنوان الأبرز في هذه الحرب، والرسالة التي لا بد أن تسمعها العواصم الكبرى قبل فوات الأوان.
