الفلسطينيون الحمر
الحلقة الخامسة والأخيرة
الحرب المقدسة لم تنتهِ بعد
كميل ابوحنيش
بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على النكبة( ملاحظة هامة: اعدت هذه الدراسة ونشرت عام 2018 اثناء وجودي في السجن )وقيام “إسرائيل”، لا تزال الممارسات الإسرائيلية تستند، في جانب منها، إلى المنهج التوراتي والأسطوري الذي وظّفته الحركة الصهيونية لتبرير الاستيلاء على الأرض وإقصاء السكان الأصليين. فالأرض، وفق هذه الرؤية، «هي الوطن اليهودي القديم تعود لليهود فقط» (89) (يفتاحئيل، أورن، الإثنوقراطية، رام الله، ط1، 2012، ص138).

وفي هذا السياق، يستشهد إبراهيم بورغ، الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي، بأفكار الحاخام إسحاق زيرنبيرغ، الذي ترأس مدرسة توراتية في مقام يوسف في نابلس، حيث يقول:” إن الأرض التي وُعد بها اليهود يجب أن تعود إليهم، وإن تطهيرها من غير اليهود جزء من هذه الرؤية، وإن التوسع وطرد غير اليهود بالقوة يدخلان في إطار الحرب المقدسة” (90) (إبراهيم بورغ، لننتصر على هتلر، رام الله، ط1، 2010، ص283). ويضيف أن هذه الأفكار تستند إلى قراءة دينية تعتبر الأرض ملكاً حصرياً لليهود (91) (نفس المصدر، ص283) وأن الأرض من أجلها تبرر استخدام القوة ضد من يُنظر إليهم باعتبارهم أعداء لها (92)(نفس المصدر، ص285)، بل إن هذه الرؤية تذهب إلى حد اعتبار التخلص من «الشر» جزءاً من مهمة الحرب (93) )نفس المصدر، ص286)، وهي أفكار تكشف عن حضور قوي للتصورات التوراتية في الفكر الديني القومي الإسرائيلي (94) (نفس المصدر، ص286).

وقد انعكست هذه الأفكار على ممارسات عدد من المتطرفين اليهود، مثل باروخ غولدشتاين، الذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي، ومحمد أبو خضير الذي قُتل حرقاً على يد مستوطنين، وعائلة دوابشة التي أُحرقت في منزلها في قرية دوما.

ولم تكن هذه الأفكار هامشية في المجتمع الإسرائيلي، بل ارتبطت ببعض المؤسسات التعليمية والدينية والعسكرية. فقد جرى تدريس سفر يشوع في المدارس الإسرائيلية، كما استُخدم في توجيه الجنود الإسرائيليين، خصوصاً في مراحل الحروب والعمليات العسكرية. وخلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، انتشرت المواعظ الدينية العسكرية التي ربطت الحرب الإسرائيلية بقصص الفتح الواردة في التوراة، ومنها الدعوة إلى استعادة الأرض التي وعد بها الرب بني إسرائيل (95) (فلسطين أرض الرسالات السماوية، مصدر سبق ذكره، ص155).

ولم يقتصر الأمر على التعليم والمواعظ، بل جرى توظيف علم الآثار أيضاً في محاولة إثبات الرواية التوراتية. ففي عام 1955 بدأت عمليات تنقيب أثري هدفت إلى البحث عن آثار مرتبطة بما ورد في سفر يشوع عن دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان (96)( نفس المصدر، ص155)، كما استُخدمت نتائج هذه الحفريات في دعم الرواية الصهيونية بشأن الوجود اليهودي القديم في فلسطين (97) (نفس المصدر، ص155).

وكان ديفيد بن غوريون من أبرز السياسيين الإسرائيليين الذين أعطوا أهمية كبيرة للرواية التوراتية، إذ رأى في التوراة مصدراً أساسياً لفهم تاريخ الشعب اليهودي وحقه في الأرض، وهو ما انعكس في السياسة الإسرائيلية وفي محاولة تحويل الرواية الدينية إلى أساس للهوية القومية (98) (الإثنوقراطية، مصدر سبق ذكره، ص140).

وفي كانون الثاني/يناير 1982 أصدرت إسرائيل طوابع بريدية احتفت بشخصية يشوع وبقصص الفتح التوراتي، وكان أحد الطوابع مرتبطاً بالأردن والآخر بمدينة أريحا، في إشارة واضحة إلى محاولة الربط بين الجغرافيا السياسية المعاصرة والرواية التوراتية (99) (فلسطين أرض الرسالات السماوية، مصدر سبق ذكره، ص156).

ولم تكن هذه الرموز منفصلة عن التصور السياسي العام؛ فقد ربطت الأدبيات الصهيونية بين الرواية التوراتية ومفهوم «أرض إسرائيل» الممتدة على مساحة واسعة من فلسطين والمنطقة المحيطة بها (100)( فكرة إسرائيل، مصدر سبق ذكره، ص101). وجرى توظيف هذه الرؤية في صياغة الوعي السياسي والجغرافي الإسرائيلي (101) (نفس المصدر، ص102)، كما انعكست في مواقف دينية وقومية متطرفة تجاه العرب والفلسطينيين (102) (نفس المصدر، ص204).

وقد أشار إسرائيل شاحاك إلى نماذج عديدة تكشف عن حضور الأفكار التوراتية في الحياة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية، ومنها محاولة اغتيال رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة ورئيس بلدية رام الله كريم خلف عام 1980، والتي ارتبطت بجماعات يهودية متطرفة (101)( نفس المصدر، ص102).

كما أشار إلى مظاهر أخرى تكشف عن تأثير النظرة الدينية إلى غير اليهود، ومنها ممارسات وتمييزات استندت إلى قراءات متشددة للنصوص التوراتية (102) (نفس المصدر، ص204).

ومن أبرز التنظيمات التي جسدت هذا التداخل بين الدين والقومية والحركة الاستيطانية جماعة غوش إيمونيم، التي أصبحت أول حركة استيطانية دينية منظمة في الضفة الغربية، وقد تأسست عام 1974. ورأت هذه الحركة في احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 معجزة إلهية وطريقاً نحو الخلاص، واعتبرت الاستيطان في الأراضي المحتلة جزءاً من تنفيذ الإرادة الإلهية (103) (الإثنوقراطية، مصدر سبق ذكره، ص267).

وقد انتقلت هذه الرؤية من الهامش إلى مركز الحياة السياسية الإسرائيلية، وأصبح المستوطنون الدينيون قوة مؤثرة في المجتمع والدولة. وقد أشار مهند مصطفى إلى انتقال المستوطنين من موقع الهامش إلى موقع المركز في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً مع اتساع المشروع الاستيطاني (104)) مهند مصطفى، مستوطنون من الهامش إلى المركز، مدار، رام الله، ط1، 2013، ص21).

وبالنسبة إلى هذه الحركة، فإن الأرض ينبغي أن تكون خالية من العرب، باعتبار أن وجودهم يتناقض مع المشروع الاستيطاني القائم على استعادة الأرض الموعودة (105) (الإثنوقراطية، مصدر سبق ذكره، ص21). ومن هنا ظهر نمط استيطاني استعماري يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء السكان الأصليين، بما يضمن الحفاظ على الطابع الإثني اليهودي للدولة والمجتمع (106) (نفس المصدر، ص21).

إن هذا النموذج يذكّر، إلى حد كبير، بما جرى للسكان الأصليين في الولايات المتحدة، حيث ارتبط المشروع الاستيطاني بإزاحة السكان الأصليين من أراضيهم وإحلال جماعات مهاجرة محلهم. ومن هنا يمكن فهم التشابه بين تجربة الفلسطينيين وتجربة السكان الأصليين في أمريكا، من حيث الاستيلاء على الأرض، والإقصاء، والتطهير، ومحاولة القضاء على الهوية الأصلية للسكان.

وهنا تبرز العلاقة الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ليس فقط على المستوى السياسي والعسكري، وإنما أيضاً على المستوى الديني والأيديولوجي. فقد تشكلت بين الطرفين علاقة استراتيجية عميقة جعلت الولايات المتحدة الداعم الأكبر لإسرائيل، سواء في المجال السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

وبحسب ما يورده ماجد كيالي، فقد بلغت قيمة المساعدات الأمريكية لإسرائيل منذ قيامها وحتى عام 2012 نحو 234 مليار دولار (107) (ماجد كيالي، تحولات إسرائيل في العالم المتغير، منشورات مركز الأبحاث، م.ت.ف، ط1، 2013، ص64).

كما تحصل إسرائيل على مساعدات عسكرية أمريكية سنوية تشكل نسبة مهمة من موازنتها الدفاعية، وقد تراوحت هذه المساعدات في الفترة التي يتناولها المصدر بين 18 و22% من ميزانيتها الدفاعية (108) (جيرمي شارب، المساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط1، 2012، ص18).

ولا تقتصر المساعدة الأمريكية على التمويل المباشر، بل تشمل أيضاً تخزين صواريخ وناقلات مدرعة وقذائف مدفعية ومعدات عسكرية أمريكية داخل إسرائيل، بحيث يمكن استخدامها في الحروب الإسرائيلية بموافقة الولايات المتحدة، وقد ظهر ذلك بصورة واضحة خلال حرب عام 2006 (109)( نفس المصدر، ص34).

وهكذا، فإن الحرب المقدسة، وفق هذه الرؤية، لم تنتهِ بانتهاء الحروب القديمة التي تتحدث عنها النصوص التوراتية، وإنما أعيد إنتاجها في صورة حديثة، تجمع بين الدين والقومية والاستيطان والقوة العسكرية.

ولعل أكثر ما يكشف عن عمق هذه العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هو الخطاب السياسي الأمريكي نفسه. ففي عام 1979 قال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر: «إننا نتقاسم وإياكم الإرث المشترك في التوراة». كما قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما: «ما دامت الولايات المتحدة موجودة فلستم وحدكم، وإسرائيل لن تزول أبداً».

وبذلك تتداخل الأسطورة التوراتية مع المشروع القومي والاستيطاني، ويتحول التاريخ الديني إلى أداة سياسية وجغرافية، فيما تتحول القوة العسكرية والاقتصادية إلى وسيلة لحماية هذا المشروع واستمراره. ومن هنا فإن فهم المشروع الإسرائيلي لا يكتمل دون دراسة العلاقة بين التوراة والأرض والاستيطان والقوة والدعم الأمريكي، وهي العناصر التي أسهمت مجتمعة في تشكيل واقع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى اليوم.