سببت التصريحات النارية التي أدلى بها المؤرخ والأكاديمي القبرصي اليوناني البارز، جيري كوسيفوس، خلال حوار تلفزيوني مع عضو البرلمان الأوروبي فيدياس بانايوتو، في إحداث تفاعل واسع داخل المجتمع القبرصي اليوناني وعموم شرق المتوسط. سلطت هذه التصريحات الضوء على مخاطر استراتيجية وديموغرافية تحيط بالجزيرة، لا سيما ما يتعلق بالتمدد الاستيطاني والاستحواذ الواسع على الأراضي والعقارات.
​ شبح “إسرائيل الثانية”: الاستحواذ العقاري والتهديد الديموغرافي
​تُمثل تحذيرات كوسيفوس من التمدد الاستيطاني والشراء المكثف للأراضي والعقارات من قبل الأجانب، وتحديداً “الإسرائيليين” الفارين من الاضطرابات الأمنية، جرس إنذار مبكر حيال ما وصفه بـ «محاولة تأسيس “إسرائيل” ثانية في قبرص على طريقة سلب أراضي فلسطين».
​خطر الاستيطان الاقتصادي: يشير المؤرخ إلى أن النفوذ الحديث لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية المباشرة، بل يتم عبر “القوة الناعمة” والاقتصادية، المتمثلة في شراء الأراضي الاستراتيجية، السواحل، والعقارات الحساسة.
​التشابه البنيوي مع القضية الفلسطينية: يعتمد التحليل على فرضية أن تدفق أموال طائلة واستيطان جماعي لفئات مرتبطة بأجندات خارجية قد يخلق أمراً واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً يحول السكان الأصليين إلى أقليات تفقد السيطرة الحقيقية على أرضها.
​غياب الوعي الرسمي: تنتقد هذه الرؤية الصمت الحكومي الرسمي في جنوب قبرص عن هذه العمليات المتسارعة، في وقت تستمر فيه السياسات الرسمية في تعزيز التحالفات دون الالتفات للتداعيات بعيدة المدى على الهوية والاستقرار الداخلي.
​ الموقف من جرائم غزة وانتقاد ازدواجية المعايير الأوروبية
​لم يقتصر نقد المؤرخ القبرصي على الشأن المحلي، بل امتد ليشمل الساحة الإقليمية والدولية؛ حيث شن هجوماً حاداً على السياسات الإسرائيلية متهماً إياها بارتكاب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
​رفض التملق السياسي: استنكر كوسيفوس سياسة الاتحاد الأوروبي وحكومات جنوب قبرص في مديح وتقديم التسهيلات للتحالف مع تل أبيب، معتبراً أن هذا النهج يتنافى مع القيم الإنسانية.
​المطالبة بالمحاسبة: دعا إلى ضرورة فرض عقوبات أوروبية صارمة على “الحكومة الإسرائيلية” بدلاً من محاباتها، مؤكداً أن التغاضي عن هذه الممارسات يمثل سقوطاً أخلاقياً وينذر بتكرار النهج الاستعماري في مناطق أخرى من المتوسط.
​ التداعيات المستقبلية والدعوة لليقظة الوطنية
​تفتح تصريحات كوسيفوس الباب أمام نقاش مجتمعي ضروري حول مستقبل السيادة القبرصية وضرورة حماية الأراضي من التغول الاستثماري غير المشروط.
​إعادة تقييم المخاطر: تمثل الشهادة دعوة صريحة لإعادة النظر في القوانين الناظمة لبيع العقارات للأجانب ووضع ضوابط صارمة تحمي الأمن القومي للجزيرة.
​حماية الهوية: التأكيد على أن الحفاظ على التراب الوطني هو خط الدفاع الأول ضد محاولات التغيير الديموغرافي السلبي واستنزاف الموارد المحلية.
تُشكل تصريحات المؤرخ جيري كوسيفوس إضاءة نقدية على مخاطر خفية تواجه جنوب قبرص على مستوى الاستحواذ العقاري والديموغرافي. إن ربطه المباشر بين الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية وبين ما يشهده جنوب الجزيرة من زحف استثماري، يضع صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تقييم السياسات الحالية وحماية مقدرات الجزيرة وسيادتها.
د. نبيلة عفيف غصن