في مشهد يجسّد معاني الصمود والتحدي، أعلنت حكومة التغيير والبناء اليمنية، المتمركزة في صنعاء، عن تحقيق انتصار تاريخي بطرد تحشيدات النظام السعودي من مديريات الساحل الغربي، في خطوة تعكس صلابة الجبهة الداخلية وقدرة اليمن على مواجهة أعتى أشكال العدوان والحصار.

صمود يواجه الغطرسة

جاء هذا الإعلان ليتوّج مسيرة طويلة من الصمود في وجه ما تسميه صنعاء “الغطرسة السعودية” والحصار الخانق المفروض على أنصار الله، حيث تمكنت القوات المسلحة اليمنية من فرض سيطرتها على مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة، بعد انسحاب التشكيلات المدعومة سعودياً نحو مدينة المخا . وقد ترافق هذا التقدم الميداني مع توقف شامل للاشتباكات في المنطقة، في دلالة واضحة على أن إرادة الصمود أقوى من كل محاولات الإخضاع.

وتأتي هذه التطورات في أعقاب مواجهات مماثلة شهدتها محافظة البيضاء وسط اليمن، حيث أفادت مصادر ميدانية بمصرع عدد من القيادات في القوات المدعومة سعودياً أثناء محاولتها التقدم في مديرية ذي ناعم، إلى جانب خسائر بشرية ومادية أخرى .

ويؤكد تكرار هذه الانتصارات أن جبهة اليمن الداخلية، رغم الحصار والتجويع، ما زالت قادرة على المبادرة والردع في آن واحد.

العفو الرئاسي.. خطوة نحو ترسيخ الصمود

في إطار ترسيخ هذه المكتسبات، أعلنت السلطات المحلية في الحديدة بدء الترتيبات اللازمة لتنفيذ العفو الرئاسي الذي أصدره مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، والذي يشمل جميع “المخدوعين والمغرر بهم في جبهات الساحل الغربي” .

وقد حددت وزارة الداخلية أرقاماً مخصصة للتواصل مع الراغبين في العودة، مع التأكيد على توفير مسارات آمنة لهم عبر محافظتي الحديدة وتعز .وتكشف هذه الخطوة عن استراتيجية متكاملة تجمع بين القوة العسكرية والاستمالة السياسية، في محاولة لتفكيك التحالفات المعادية وتوسيع قاعدة الصمود المحلي.

فبعد سنوات من تحمّل ويلات العدوان والحصار، بات واضحاً أن جبهة اليمن لا تكتفي بالدفاع، بل تبادر إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة.

تحدٍّ صارخ لكل محاولات الإخضاع

تضمن البيان الصادر عن حكومة التغيير والبناء رسائل تحدٍّ واضحة، إذ حمل تحذيراً صريحاً للنظام السعودي بأن “تماديه في اعتداءاته على شعبنا لن يجلب له إلا الخزي”، داعياً إياه إلى “الإذعان لمتطلبات السلام” . وفي الوقت ذاته، جددت الحكومة التزام اليمن “بكامل مسؤولياته نحو سلامة الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب وخليج عدن” .

ويأتي هذا التعهد بشأن الملاحة الدولية في ظل مخاوف متصاعدة على المستويين الإقليمي والدولي من تداعيات أي اضطراب أمني في محيط المضيق، الذي يمثل بوابة رئيسية لحركة السفن المتجهة عبر قناة السويس بين آسيا وأوروبا .

وقد حذر مسؤولون يمنيون من أن أي تهديد لباب المندب يمتد تأثيره مباشرة إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية، في رسالة مزدوجة: اليمن قادر على حماية الملاحة، وقادر في الوقت ذاته على جعلها ورقة ضغط إن استمر العدوان .

تداعيات تتجاوز الحدود

تحمل هذه التطورات دلالات استراتيجية تتجاوز الحدود اليمنية. فالساحل الغربي، الممتد من الحديدة إلى باب المندب، يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، وأي تغيير في السيطرة عليه يثير قلقاً دولياً بالغاً.

وقد سارعت الأطراف المعارضة لصنعاء إلى التحذير من “مخاطر التصعيد العسكري” و”تهديد الملاحة الدولية”، في محاولة لاستدعاء تدخل دولي .وفي هذا السياق، تقدم صنعاء نفسها كطرف قادر على ضبط الأمن في هذه المنطقة الاستراتيجية، مستخدمةً ورقة الملاحة الدولية كورقة تفاوضية في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

هذا التوجه يعكس إدراكاً عميقاً بأن الشرعية الدولية لأي ترتيبات مستقبلية تمر عبر ضمانات بعدم تعطيل الممرات البحرية الحيوية، وأن الصمود اليمني قادر على تحويل نقاط الضعف الظاهرة إلى عناصر قوة.

آفاق المرحلة المقبلة

مع بدء تنفيذ العفو الرئاسي ودعوة أبناء المناطق المحررة إلى “التعاطي الإيجابي مع كافة الأجهزة الرسمية”، تبدو حكومة التغيير والبناء في طور الانتقال من منطق الصمود الدفاعي إلى منطق إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها .

وتشير الدعوات إلى “تطبيع الأوضاع ومعالجة الإشكالات الناجمة عن الأعمال الإجرامية لمرتزقة النظام السعودي” إلى مسعى جاد لترسيخ سلطة الأمر الواقع، وترجمة سنوات الصمود إلى مكاسب ملموسة على الأرض.

غير أن هذه المرحلة تظل محفوفة بالتحديات، إذ يتوقف نجاحها على قدرة صنعاء على ترجمة مكاسبها الميدانية إلى وضع سياسي مستقر، في ظل استمرار الرفض الإقليمي والدولي لشرعنة سيطرتها على مناطق حساسة كالساحل الغربي وباب المندب. لكن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن جبهة اليمن، رغم الحصار والعدوان، ما زالت عصية على الكسر، وأن إرادة الصمود قادرة على صناعة الوقائع مهما بلغت التحديات.

في المحصلة، تمثل التطورات الأخيرة تتويجاً لمسيرة صمود طويلة، حيث انتقلت صنعاء من موقع المدافع إلى موقع المبادر، مستثمرةً مكاسبها العسكرية لفرض واقع جديد قد يشكل أساساً لأي تسوية سياسية مقبلة، في تحدٍّ صارخ لكل محاولات الإخضاع السعودية وحصارها الخانق على أنصار الله.