الياس فاخوري

نعم، بعيون المقاومة الخمسة، يُبَلِّغُ هذا الزمن (“الزمنُ ذا”) المقاومةَ “ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفْسِهِ الزَّمَنُ”: زوال كيان الاحتلال وسقوط الرأسمالية المتغطرسة والهيمنة الأميركية!!نعم، بعيون المقاومة الخمسة، تُجري المقاومةُ الرياحَ بِما تَشتَهي سُفُنُ فلسطين فتُدرِكُ التحرير من النهر الى البحر، ومن الناقورة الى ام الرشراش ..

بعيونها الخمسة، تأخذُ المقاومةُ الدُّنْيَا غِلَابَا لتنال مطالب التحرير ولا تكتفي بالتمني والدعاء، بل تجعل مع الدعاء شيئاً من القطران فما “اسْتَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنَالٌ إِذَا الْإِقْدَامُ كَانَ لَهُمْ رِكَابَا” .. فالإقدامُ ركابُهم، ومع غزة بعزتها والاقصى بطوفانه صار الحال أفضل وبدت القدس اقرب بتوقيت ساعة السابع من أكتوبر/تشرين الاول 2023 ..ويبقى العربي الفلسطيني ممتلئا من الروح المقاوم مهما فعلت أبالسة القرن وشياطينه فمكتوب أَنْ لَيْسَ بِالْمال والسلطان والمجد الصهيواوروبيكي وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَل بكل حبة تراب تخرج من ارضنا وكل قطرة ماء تنزل من سمائنا ولن يتعب هذا الطين ولن يرحل، ولن يبدل تبديلا، ومكتوب أيضاً لا تجربوا صاحب الارض العربي الفلسطيني المقاوم، فالارض أرضنا والقدس قدسنا والبحر بحرنا والشمس شمسنا والسماء لنا .. ومحمود درويش ابننا، و“على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ،على هذه الأرض سيدةُ الأرض،أم البدايات أم النهايات،كانت تسمى فلسطين، صارتْ تسمى فلسطين،سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة”!والان وكل اوان، تسعى لفلسطين أقدام المقاومين فندخلها بسلام آمنين!لكم تحدثنا وكررنا الحديث ومجدداً ودائماً الان وكل اوان، هذي عيون المقاومة الخمسة:

العقيدة (العشق الالهي)، العقل (كقوة بنائية تنتج المعنى وتعيد تشكيل الواقع – لا للظلم مثلاٍ)، العلم (لا لمجرد تفسير العالم، بل لتغييره – اداة للتحرير وتحقيق التمكين الحضاري، لا اداة للتطويع وهندسة الوعي والإدراك)، العزيمة (يروم موتاً شريفاً يحمي الحياض بِحَدِّ الحُسامِ)، والعمل (جزمته تَخلق افقاً، روحه فوق راحتِهْ، دمه يكسو الارض بالإرجوان، والردى منه خائف) ..

قل لي: كيف تقهرْ… عادت أوديسه النار والدم على أبواب المقبرة حيث فشلت الحرب الأميركية /”الإسرائيلية” عن بلوغ أهدافها، ام لم تعد!قل لي كيف تقهرْ .. هذي العيون الخمسة .. كيف تقهرْ؟

نعم، تتصدى هذي العيون الخمسة لأعتى وأقوى وأخطر تحالف استخباراتي، عسكري، تكنولوجي، اقتصادي، مالي، سياسي في التاريخ الحديث ومفرزاته بكل توحشها وتغولها وتوغلها على ارض الواقع وارضنا بالتحديد (خصومٌ ببغْيِهمْ ضجَّت الأَرضُ والسما) .. نعم، “هيهات منا الذلة، والجنة اقرب” وقد اعلنها الامام الحسين انتصاراً للدم على السيف قولاً وفعلاً لترسم زينب لوحتها “ما رأيت الا جميلا”! العقيدة عربية متجذرة بموروثنا التراثي ثابتاً ومتحولاً تبنّتها ايران لدى انتصار الثورة الاسلامية .. والعقدة صهيونية اوروبية أميركية بسرديةٍ مُزَيَّفَةٍ زائفةٍ، ومُزَيِّفةٍ للوعي تتلاعب بالعقول وتُهندس الإدراك! نعم، هي العقيدة العربية التي تبنّتها الثورة الايرانية الإسلامية لدى انتصارها في 11 فبراير 1979: “هيهات منا الذلة، والجنة اقرب” ..

هي الثورة التي طردت السفارة الإسرائيلية من طهران وسلمت مبناها لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولقّبت اسرائيل ب”الغدة السرطانية”/”الشيطان الأصغر” وأمريكا ب”الشيطان الأكبر”، كما اعلنت الجمعة الأخيرة من رمضان يوماً عالمياً للقدس، وقامت بتأسيس قوة القدس في الحرس الثوري جيشاً لتحرير القدس ..

حدثٌ تّاريخيٌّ وصفه حينها رئيس الوزراء الصّهيوني الأسبق مناحيم بيغن بزلزالٍ استراتيجيٍّ هزّ الشّرق الأوسط لخطورته على دولة الكيان وعلى الولايات المتحدة الأميركيّة وقوى الاستكبار العالميّ في المنطقة!

وكنتُ قد اشرت غير مرة لبعض الأمثلة التي تؤكد تَجَذُّر هذه العقيدة وتأصّلها في تراثنا ثابتاً ومتحولاً قبل الاسلام، في صدر الاسلام، في العصر العباسي، وفي العصر الحديث ..نعم، بعيونها الخمسة تصنعُ المقاومةُ المصيرَ، لا تقف بانتظاره، الامر الذي جَرَّ أمريكا وكيان الإحتلال وقوى الاستكبار العالمي الى لحظة مواجهة الحقيقة لأول مرة في التاريخ الحديث

لحظة وُلِدت من رحم السابع من اكتوبر، السابع من التاريخ، السابع من الخلود، السابع من الزمن، السابع من الازل، والسابع من الابد .. لحظة أطاحت بأُسطورة “العجز العربي” حضاريّاً وثقافيّاً واعادت “النكبة” أو “النكسة” إلى موقعها التقني السياسي .. لحظة أسقطت “اسرائيل” الوظيفة والدور وجعلت منها عبئاً استراتيجياً ..

لحظة أسقطت المشروع الصهيوامريكي للابادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير ليُضِلَّهم الطاغوت لوسيفر الى مشروع “الهفلبادة” والعولمة بإبادة/نزع الهوية الفلسطينية وتحويل مواطني غزة الى مجرد مجموعات سكانية بإدارة لوسيفرية “عالمية” (مجلس سلام/وصاية دولي بقيادة صهيوأمريكية) ..

أرادوا وكم عملوا على تصوير الهزيمة والنكبة والنكسة بمختلف المسميات كجزء عضوي من آلية التنظيم الجيني والانزيمي العربي الثقافي الحضاري .. خسؤوا، فقد خرجنا من الغيبوبة وقاتلناهم حتى من قبورنا؛

نحن الجيل الذي يُسقط خرافة “العجز الجيني العربي”، ويهزم الهزيمة من غزة ولبنان الى اليمن فالعراق وطهران .. وعليه، لا بد من الاعتراف بقوة عقيدة المقاومة وفعاليتها على نحوٍ تراكمي قوامه الفداء والاستعداد للبذل والتضحية لنصل الى التغيير الكيفي بانتصار الدم على السيف ..

و”إنا فتحنا لك فتحا مبينا” (الفتح – 1) .. “وينصرك الله نصرا عزيزا” (الفتح – 3)!

نعم، بعيون المقاومة الخمسة جاءت لحظة الطوفان الفلسطيني الغزي الذي تبنتّه ايران .. وقد كشف طوفان الأقصى للعالم صلابة وقوة تمسك الفلسطيني بأرضه وكشَف هشاشة كيان الاحتلال وعرّى طبيعته العنصرية الإجرامية النازية ب”عرقبادتها” و”الهفلبادة” ليواجه شعوب العالم ..

كذلك فعلت إيران بصلابة صمودها فازاحت اللثام عن وهم وزيف المظلة الأمريكية لدول المنطقة، وكل دول العالم .. كما اثبتت ايران للشعب الأمريكي، بكل فئاته ومستوياته، مدى الغدر والإبتزاز “الاسرائيلي” لأمريكا، وغيرت المزاج السياسي الدولي ونخرت مسلماته السياسية التقليدية، وصححت المفاهيم والمسارات الدولية بما يفتح المجال واسعاً لينعكس على عمق النظرة لطبيعة العلاقات الدولية مع دول وقضايا المنطقة!هم يبيعون الأوهام والمقاومة، بعيونها الخمسة، ترسم الواقع وتصنع المصير!وصفها كارل ماركس بمنتهى الدقة مُشهداً عيون التاريخ كيف وُلِدَت الرأسمالية العالمية وهي تقطر دماً وقيحاً من جميع مسامها حيث اقتضى صعود المركز الغربي تحطيم كافة الأنماط الاقتصادية والاجتماعية السابقة التي كانت تتيح للبشر علاقة حرة مباشرة، وغير مشوهة، مع أدوات إنتاجهم ومع الطبيعة المحيطة بهم ومع ذواتهم.

وهكذا يتبيّن لنا بوضوح تام كيف ان العمليات العسكرية وحملات الغزو عبر التاريخ لم تكن مجرد وسيلة لحيازة الجغرافيا والسيطرة على خطوط التجارة ومصادر الموارد فحسب، بل كانت في جوهرها حرب إبادة شاملة وممنهجة بالمعنى الأنطولوجي الواسع الذي يستهدف محو القيمة، وتفكيك النسيج الاجتماعي، واقتلاع كل تعبير رمزي أو مادي يعزز كرامة الإنسان وتفوقه على منطق السلعة ..

وعليه نرى وبوضوح تام ايضاً كيف يتحرك المشروع الصهيواوروبيكي كآلة إبادة وسحق وافناء ومحق واجتثاث منظمة تهدف لتجريد الإنسان من إنسانيته وإعادة هندسة العالم بأسره وفق منطق البضاعة والتراكم الرأسمالي المتوحش.

وجاءت المقاومة، بعيونها الخمسة، لتُعلِّم هذه المنظومة الاستعمارية أن الشعوب التي تمتلك ثقافة حية، وعلاقات إنتاج تكافلية، وارتباطاً جمالياً وأخلاقياً ببيئتها وتاريخها، هي شعوب يستحيل تدجينها أو تحويلها إلى مجرد أرقام طيعة في سلاسل التوريد وسوق العمالة الرخيصة.

نعم، بعيون المقاومة الخمسة، يُبَلِّغُ هذا الزمن (“الزمنُ ذا”) المقاومةَ “ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفْسِهِ الزَّمَنُ”: زوال كيان الاحتلال وسقوط الرأسمالية المتغطرسة والهيمنة الأميركية! قل لي كيف تقهرْ ..

هذي العيون الخمسة .. كيف تقهرْ؟

الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..

سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها ولجبهة المقاومة بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..

كاتب عربي أردني

ملحوظةالمتنبي:أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني//ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ//

احمد شوقي:وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي// وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا// وَمَا اسْتَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنَالٌ //إِذَا الْإِقْدَامُ كَانَ لَهُمْ رِكَابَا//