في تطور دبلوماسي لافت، حملت زيارة المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو أكثر من مجرد محاولة وساطة لحرب أوكرانيا، إذ تأتي في سياق دولي معقد تتقاطع فيه المساعي الأمريكية لكسر الجمود مع موسكو، مع تصاعد التحدي الاستراتيجي الذي تمثله منظمة شنغهاي للتعاون بقيادة روسية-صينية.

وصل ويتكوف وكوشنر إلى موسكو حاملين ما وصفه الرئيس ترامب بـ”مقترح شامل لإنهاء الحرب” المستمرة منذ أربع سنوات. وفي لقائهما السادس مع الرئيس بوتين، الذي وصفه ويتكوف بأنه من “أكثر المحطات رسوخاً في الذاكرة”، أعلن بوتين استعداده لمناقشة “جميع مكونات النزاع وجميع جوانبه”، مشيداً بجهود ترامب الذي “لا يتوقف عن محاولاته للتسوية” رغم وضعه الصعب.

وفي خطوة تكتيكية، أمر بوتين بوقف الضربات الجوية على كييف لمدة ثلاثة أيام بالتزامن مع تحركات المبعوثين، في خطوة وصفت بأنها مرتبطة بـ”التحضير للاتصالات التي سيجريها الأمريكيون” في العاصمة الأوكرانية. غير أن موسكو سارعت إلى خفض سقف التوقعات، مؤكدة أنها لم تتفق مع أوكرانيا على وقف إطلاق نار لأكثر من هذه المدة المحدودة.

تكتسب هذه التحركات الأمريكية أهميتها في ضوء التحولات الاستراتيجية الكبرى التي يشهدها النظام العالمي.

فبعد أيام من قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي جمعت كلاً من الصين وروسيا وإيران والهند وباكستان وتركيا، خرج البيان الختامي بتأكيد على تحدي الهيمنة الأمريكية ودعم السيادة الإيرانية في مواجهة العقوبات الاقتصادية. وتشكل المنظمة التي تضم دولاً يبلغ تعداد سكانها نحو نصف سكان العالم بقوة اقتصادية هائلة تصل إلى 35 تريليون دولار، “نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب” يتحدى النظام الأحادي بقيادة واشنطن. وعبّر الرئيس بوتين، في تحرك موازٍ للقمة، عن موقف روسي واضح برفض التخلي عن إيران، مؤكداً استمرار العلاقات الاقتصادية والتجارية معها.

في هذا السياق، تبدو المساعي الأمريكية وكأنها تسير في مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي مباشر مع روسيا لمحاولة احتواء الحرب الأوكرانية، ومسار آخر يستهدف كسر التقارب الاستراتيجي الروسي-الصيني-الإيراني الذي تجسد في قمة شنغهاي. ويعكس إشادة بوتين بترامب واستعداد موسكو لمناقشة “جميع جوانب النزاع” انفتاحاً روسياً على الحوار، لكنه لا يرقى إلى مستوى تقديم تنازلات جذرية في ظل تعاظم وزن روسيا ضمن محور شنغهاي.

ومن المقرر أن ينتقل المبعوثان إلى كييف للقاء الرئيس زيلينسكي، في زيارة هي الأولى من نوعها لمبعوثي ترامب إلى العاصمة الأوكرانية. وتبقى التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت الخطة الأمريكية ستنجح في تحقيق اختراق، أم أنها ستظل رهينة للتوازنات الدولية الجديدة التي ترسمها منظمة شنغهاي، حيث تجد موسكو نفسها في موقع قوة يتيح لها المناورة بين الحوار مع واشنطن والتحالف الاستراتيجي مع بكين وطهران.