في تطور نوعي يعيد رسم ملامح الصراع في غرب آسيا، أعلن حرس الثورة الإيرانية، مساء اليوم، عن تنفيذ هجوم صاروخي باليستي مكثف استهدف “معسكر تيتين” التابع لمشاة البحرية الأمريكية في الأردن، الواقع على سواحل خليج العقبة . العملية التي جاءت تحت شعار “يا رسول الله (ص)”، وفي الموجة الثانية من عملية “معاقبة المعتدين”، أسفرت – وفق البيان – عن مقتل عدد كبير من القوات الأمريكية وتدمير منشآت ومروحيات هجومية .
جاء الهجوم كرد مباشر على غارة أمريكية وحشية استهدفت منزلاً في منطقة سيريك جنوب إيران، حيث كان يقام حفل زفاف، مما أسفر عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى . لكن الملاحظ أن الرد الإيراني لم يقتصر على استعراض عسكري، بل حمل رسائل متعددة الأبعاد، تجاوزت مجرد الرد بالدّين نفسه، وذلك باختيارها لموقع بالغ الدقة والحساسية.
لماذا “معسكر تيتين”؟
تكمن أهمية المعسكر في موقعه الجغرافي الفريد، إذ يقع في الطرف الشمالي للبحر الأحمر، على مقربة من ميناء العقبة الأردني وميناء أم الرشراش (إيلات)، وليس بعيداً عن الحدود السعودية . ووفق وثائق أمريكية رسمية، يُعتبر هذا المعسكر نقطة ارتكاز رئيسية لوحدات “FASTCENT” (وحدة الاستجابة السريعة لمكافحة الإرهاب التابعة للقوات البحرية الأمريكية)، حيث يُستخدم لتدريب القوات، وحماية البنى التحتية البحرية، والعمليات البرية والبحرية السريعة .وقد رصدت مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية، في إطار استراتيجيتها لتجنب إغلاق مضيق هرمز، سعت إلى تعزيز وجودها في هذا المعسكر، ربما اعتقاداً منها أنه بعيد عن مرمى الصواريخ الإيرانية، أو أن طهران لا تملك معلومات استخباراتية دقيقة عنه .
لكن الهجوم الليلي أثبت أن حرس الثورة يمتلك ليس فقط القدرة على الاستهداف، بل ورؤية استخباراتية شاملة لتحركات القوات الأمريكية في عمق المنطقة.
لا يمكن قراءة هذا الهجوم بمعزل عن الأحداث المتسارعة خلال الأيام الماضية.
فالهجوم على معسكر تيتين يأتي ضمن سلسلة من الردود الإيرانية التي استهدفت قواعد أمريكية في الأردن والإمارات، رداً على قصف أمريكي لجزيرة “لارك” الإيرانية.
وقد سبق لحرس الثورة أن أعلن، الأحد الماضي، استهداف قاعدتي “الملك حسين” و”الأزرق” الجويتين في الأردن، في الموجة الأولى من عمليات “معاقبة المعتدي” . ومع إعلان مسؤولين أمريكيين، عبر وسائل إعلام غربية، أن الصواريخ السابقة تم اعتراضها ولم تسفر عن أضرار كبيرة، جاءت الضربة الأخيرة على “معسكر تيتين” لتؤكد أن طهران تُصعّد خطابها العسكري تدريجياً، وتبحث عن هدف يحدث أثراً ميدانياً ونفسياً أكبر .
يكشف التوقيت الجغرافي للاستهداف عن تحول في الاستراتيجية الإيرانية، التي بدأت تخرج من مربع الردود المتناظرة في الخليج، إلى استهداف مواقع أمريكية حساسة في عمق الأردن، بالقرب من حدود فلسطين المحتلة، مما يضع القيادة المركزية الأمريكية أمام تحدٍ جديد في تأمين قواعدها الخلفية، ويثير تساؤلات حول مدى قدرتها على حماية أصولها الاستراتيجية في المنطقة من هجمات شاملة.
