في تطور خطير يشير إلى تصعيد عسكري غير مسبوق، أصدرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية وقيادة “ختم الأنبياء” المركزية بياناً حاداً، توعدت فيه بإلحاق “خسائر فادحة” بالجيش الأمريكي، وذلك رداً على سلسلة الغارات الجوية التي استهدفت محافظتي سيستان وبلوشستان وهرمزغان جنوبي البلاد.هذا التهديد، الذي صيغ بلغة الحرب وإعادة الردع، لا يأتي في فراغ، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاشتباكات المباشرة وغير المباشرة بين القوتين، التي باتت تنذر بانزلاق المنطقة برمتها إلى مواجهة مفتوحة ومستدامة .
في بيانها، وصفت هيئة الأركان العامة الجيش الأمريكي بـ”الجبان والشرير”، مؤكدة أن القوات المسلحة الإيرانية سترد بـ”ضربات موجعة وساحقة”، وأن أي إصرار أمريكي على “الشرور” في المنطقة لن يزيد الخسائر الأمريكية إلا عمقاً واتساعاً. يأتي هذا التصعيد اللغوي والعسكري في وقت تشهد فيه المنطقة أعنف مواجهات بين الطرفين منذ أشهر، حيث تبادلت القوات الأمريكية والإيرانية الضربات في عدة جبهات، بدءاً من سواحل الخليج ومضيق هرمز وصولاً إلى قواعد عسكرية في الأردن ودول الجوار .
“حرب الاستنزاف”.. هل هي استراتيجية الطرفين؟
يقرأ المحللون التطورات الأخيرة في سياق استراتيجية ما يمكن تسميتها بـ”حرب الاستنزاف المتبادلة”، أو ما وصفته بعض التقارير بـ”لا حرب ولا سلام”، وهي مرحلة يحاول فيها كل طرف اختبار قدرات الآخر وتحملاته، وتثبيت قواعد اشتباك جديدة في المنطقة .فمنذ اندلاع الموجة الأخيرة من الصدام، والتي تخللتها هدنة هشة واتفاقات مؤقتة لم تصمد طويلاً، تبدو واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وكأنها تتبع سياسة “الضربات المحدودة” لاستهداف القدرات الإيرانية، خاصة تلك التي تعتبرها مهددة للملاحة في مضيق هرمز، دون الانجرار إلى حرب شاملة تكبدها خسائر فادحة .
في المقابل، ترد طهران باستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، ساعية لإثبات قدرتها على تعميم الصراع ورفع كلفته، تماماً كما تشير آخر الهجمات على القواعد الأمريكية في الأردن .هذا التبادل المكثف للرسائل العسكرية، الذي طال البنى التحتية والمنشآت النفطية في محافظات مثل بوشهر وخوزستان، يؤكد أن مضيق هرمز قد تحول إلى “الورقة الرابحة” في يد طهران، والهدف الاستراتيجي الأهم لواشنطن، في لعبة خطيرة قد يخسر فيها الجميع .
هيكل قيادي موحد خلف التهديدات
لكن اللافت في التصعيد الحالي هو البنية التنظيمية التي صدر عنها البيان. فاجتماع هيئة الأركان العامة مع قيادة “خاتم الأنبياء” المركزية، التي تمثل الذراع العملياتي للحرس الثوري في زمن الحرب، يعكس توجهاً إيرانياً حازماً لتوحيد القيادة العسكرية وتعزيز الجاهزية في مواجهة ما تصفه بالعدوان الخارجي .هذا الدمج المؤسساتي، الذي يأتي بعد أشهر من القتال وبأوامر من المرشد الأعلى، يؤكد أن طهران تستعد لمرحلة طويلة من المواجهة، حيث يتم تنسيق السياسات العسكرية والاستراتيجيات العملياتية تحت سقف واحد، مما يمنح قادتها، وعلى رأسهم اللواء محمد عبد اللهي، صلاحيات أوسع لتوجيه الضربات وإدارة الأزمات .
هذه الوحدة في صنع القرار العسكري الإيراني تمنح تهديداتها مصداقية أكبر، وتجعل من الصعب على واشنطن تقدير حجم الرد الإيراني على أي خطوة تصعيدية جديدة.

الصورة: المتحدث باسم حرس الثورة العميد حسين محبي: عقاب قاس بانتظار المعتدين والولايات المتحدة ستندم على هجماتها الجديدة
في المشهد المعقد الحالي، تبدو الخيارات كلها مفتوحة. فبينما تواصل واشنطن توجيه ضرباتها لإضعاف قبضة طهران على المضيق الاستراتيجي، تلوح طهران بتهديداتها التي قد تتحول إلى واقع إذا ما استمرت الغارات الأمريكية. الممرات الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل، حيث لا تزال مساعي وساطة من عُمان وقطر وباكستان قائمة، لكنها تصطدم بإصرار كل طرف على التفاوض من موقع قوة، وسط محيط يزداد احتراقاً يوماً بعد يوم .
