سارعت الإدارة الأمريكية إلى إعلان رفع اسم سوريا من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” بعد عقود من الإدراج. وبينما يسعى الإعلام الرسمي وسلطة الإدارة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع إلى تسويق هذا القرار بوصفه “إنجازاً تاريخياً” وبوابة سحرية للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، فإن القراءة الواعية والمسؤولة لملابسات القرار تكشف عن دافع مغاير تماماً؛ فالخطوة لم تكن يوماً التفاتة إنسانية تجاه معاناة الشعب السوري، بل هي مكافأة غربية فورية لإدارة انصاعت سريعاً للشروط الدولية وقدمت ضمانات أمنية مجانية تمس صلب السيادة الوطنية. ولسنا هنا في وارد الحزن، بل إننا نفرح بكل تأكيد لأي خطوة قد تعود على الشعب السوري المظلوم بالخير، ورفع المعاناة، والانفتاح الاقتصادي، لكن الوعي السياسي يفرض علينا ألا نغلق أعيننا عن الأثمان الباهظة والنتائج الخطيرة الكامنة خلف هذا القرار.
أثبت واشنطن مجدداً أن تصنيف “الإرهاب” لديها ليس معياراً قانونياً أو أخلاقياً، بل هو ورقة ابتزاز سياسي وتصفية حسابات تحركها مصالحها ومصالح ربيبتها “تل أبيب”. فالإدارة الأمريكية التي تدمغ حركات التحرر الوطني الفلسطينية والعربية بالإرهاب —رغم أن شرعيتها مستمدة من القانون الدولي في مقاومة الاحتلال، وسواء كانت هذه الحركات يسارية، قومية، أو إسلامية— هي ذاتها التي سارعت اليوم بكل خفة لشطب تهمة الإرهاب عن حكومة منبثقة من رحم تنظيمات متطرفة كـ “داعش” و”النصرة”، بمجرد أن أبدت هذه السلطة مرونة في التخلي عن ثوابت الأمة وقدمت صكوك الطاعة لجلاديها.
ولم يكن من قبيل المصادفة، في هذا السياق الممنهج، لقاء أحمد الشرع الأخير على شاشة قناة الجزيرة، حينما صرّح بوضوح وبلا مواربة بأن “سبب العقوبات على سوريا هو دعم نظام الأسد للإرهاب، كالفصائل الفلسطينية وغيرها”. وهنا ندعو القارئ العزيز للعودة إلى تلك المقابلة وإعادة تفكيك مضامينها، وخاصة ذلك القارئ المنبهر بالثورة، والمصرّ على اختزال المؤامرة الكونية التي حيكت وفُرضت على المنطقة طوال السنوات الماضية على أنها مجرد ثورة شعبية بريئة لشعب يلهث خلف الحرية؛ فهل يعقل أن يكون نتاج الثورة السورية وتضحياتها هو التطبيع والارتماء في أحضان الاحتلال الصهيوني؟ وهل يجعلنا هذا الواقع ظالمين إذا ما لعنّا مساراً ينتهي برهن البلاد لعدو الأمة التاريخي؟
إن حقيقة الأمر تتجاوز أروقة واشنطن لتصل بوضوح إلى “تل أبيب”، وما القرار الأمريكي إلا المخرج التنفيذي لصفقة صيغت أوراقها الحقيقية خلف الأبواب المغلقة في العاصمة الأردنية عمان، لتشكل الفصل الأحدث من المؤامرة الكونية المستمرة ضد المنطقة منذ سنوات طويلة. ففي عمان، وتحت غطاء الوساطة وبترتيبات مباشرة، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بوفد من الكيان الإسرائيلي، لتبدأ هندسة أمنية جديدة من الواضح أن نتائجها الكارثية مستهدفة بالدرجة الأولى القضية الفلسطينية، وحركات المقاومة، والشعوب العربية؛ حيث تمحورت النقاشات حول صياغة آليات أمنية مشددة لخفض التصعيد وإنشاء مناطق عازلة على الحدود تضمن أمن الاحتلال وتفكك تحالفات البلاد السيادية السابقة، وعزل سوريا عن عمقها النضالي وتحويلها إلى حارس حدود يحمي أمن الكيان. وجاء الإعلان الأمريكي بمثابة الضوء الأخضر الفوري والرشوة السياسية المباشرة لدمشق فور قبولها الجلوس على طاولة تفاوض واحدة مع الكيان والانخراط في ترتيبات تخدم مصالحه.
إن هذا المسار الاستسلامي الذليل، ونلعن كل أشكال التطبيع والهرولة نحو أحضان الكيان الصهيوني تحت أي مبرر كان. إن هذا الارتماء المخزي ليس مجرد كبوة سياسية، بل هو خيانة علنية لدماء غزة الطاهرة التي ما زالت تروي أرض فلسطين، وطعنة غادرة لشهداء دمشق وبيروت وبغداد، واستباحة صارخة لتضحيات دماء الشعوب العربية التي قاومت وما زالت تقاوم هذا المشروع المسخ. إن أي سلطة ترتضي أن تبيع تاريخ الأمة ونضالها مقابل صك غفران أمريكي زائف، هي سلطة متواطئة في هدر دماء المظلومين، ولن يغفر لها التاريخ ولا الشارع الثوري الحر هذا السقوط الأخلاقي والقومي المدوي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تغيير عابر في المشهد السياسي السوري، بل هو التتويج الفعلي لمسار تآمري طويل خططت له الدوائر الاستعمارية على مدار خمسة عشر عاماً، وجاء أحمد الشرع كأداة تنفيذية لتسليم أوراق اعتماد هذا المخطط؛ حيث لم تكن هذه الأحداث إلا حلقة منسقة وجزءاً لا يتجزأ من مشروع إعادة هندسة المنطقة برمتها. إن المستهدف الحقيقي من وراء تفكيك الدولة السورية وعزلها عن محيطها العربي، وطعن حركات المقاومة في ظهرها، هو تصفية القضية الفلسطينية بالكامل، وإحكام القبضة على مقدرات الشعوب العربية، بما يخدم ويلبي بشكل مباشر أطماع التمدد والسيطرة للمشروع الصهيوني في مسعاه نحو تحقيق خرافة «إسرائيل الكبرى».
أبو الأمير_القدس
