حرب الانطباعات… عندما يقاتل ترامب بالإعلام


ناصر قنديل

لم تعد المبالغات التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إيران مجرد تصريحات مرتجلة أو أخطاء متفرقة في الأرقام. تكرار الرواية نفسها، وانضمام نائبه جي دي فانس إليها، ثم انتقالها إلى شبكة «فوكس نيوز» وموقع «أكسيوس» وظهورها في تقارير عربية مصوّرة، يكشف قيام جبهة إعلامية تؤدي وظيفة سياسية واضحة: تعويض تعثّر الحرب العسكرية والاقتصادية بإنتاج انطباع بأن الولايات المتحدة انتصرت، وأن إيران باتت على حافة الانهيار.

في الجانب العسكري يقدّم ترامب صورة نصر مطلق؛ يقول إن الولايات المتحدة دمّرت «مئة في المئة» من القدرات العسكرية الإيرانية، وإن إيران لم يعد لديها سلاح جو أو بحرية أو رادارات أو دفاعات جوية، وإن الطائرات الأميركية تتحرك في سماء طهران كما تشاء. لكن التقديرات الاستخبارية الأميركية المنشورة ترسم صورة مختلفة جذرياً. فقد تحدث تقييم سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نشرت الصحف الأميركية بعض ما فيه، بموافقة أصحابه، عن احتفاظ إيران بنحو 70 إلى 75 في المئة من قدراتها الصاروخية. وكشفت تقييمات أخرى أن قرابة 90 في المئة من منشآت تخزين الصواريخ وإطلاقها تحت الأرض استعادت العمل، كلياً أو جزئياً، وأن طهران قادرة على مواصلة الصمود أمام الحصار أشهراً، لا أياماً.

المفارقة أن بعض المنابر التي رددت لاحقاً رواية تراجع القدرة الإيرانية إلى الربع كانت قد نشرت بنفسها، قبل أشهر، التقديرات الأميركية التي تقول إن إيران احتفظت بنحو 70 في المئة من مخزونها الصاروخي ومنصاتها المتحركة، وأن غالبية منشآتها الجوفية عادت إلى العمل. لذلك لا يعود الاختلاف ناجماً عن تضارب طبيعي بين المصادر، بل عن اختيار الرواية التي تخدم اللحظة السياسية، وتقديمها في قالب وثائقي يوحي بأنها حقيقة محسومة.

أما صورة القوة الأميركية غير المحدودة، فتتناقض مع ما صدر عن القيادة العسكرية الأميركية ومع ما نشرته دراسات عسكرية أميركية حول استنزاف صواريخ الاعتراض. فعندما يكشف رئيس هيئة الأركان أرقام الاستهلاك، ويدعو الرئيس إلى إيجاد مخرج سياسي، فهو لا يقدم نصيحة دبلوماسية مجردة، بل يضع أمام البيت الأبيض حقيقة عسكرية: مواصلة الحرب قد تعرّض السفن والقواعد والجنود الأميركيين لهجمات لا تتوافر لها تغطية دفاعية كافية. ترامب يتحدث عن «كميات هائلة» وذخائر «تكاد تكون غير محدودة»، بينما يقول الميدان إن الصناعة لا تستطيع تعويض الاستهلاك بالسرعة المطلوبة، وإن ما لدى أميركا لا يتعدى 1000 صاروخ من كل أصناف الصواريخ الدفاعية والهجومية بدلاً من أن يكون الحدّ الأدنى 3000 صاروخ، وأن استعادة هذا الرقم تحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل.

اقتصادياً، يرفع ترامب نسبة التضخم الإيراني إلى 300 في المئة، ويتحدّث عن جوع شامل وعجز عن دفع رواتب العسكريين وانهيار مالي كامل. لا تنفي الأرقام المحايدة قسوة الأزمة الإيرانية ولا التضخم المرتفع وتراجع القوة الشرائية، لكنها لا تؤيد هذه الصورة. التقديرات المتداولة تضع التضخم العام في نطاق 70%، وتوفّر السلع الرئيسية في الأسواق بما يتناسب مع حاجات الأسر الفقيرة بأسعار تؤكد أن الفجوة بين دخل الأسرة الفقيرة ونفقاتها الرئيسية ضيقة جداً، يمكن لروح التحمل والصبر بفعل تقدير الحرب جعل تحمّلها ممكناً. والخلاصة هي هذا الفارق الجوهري بين اقتصاد يواجه ضغوطاً شديدة، واقتصاد انهار وفقد القدرة على تمويل الدولة والحرب. ويبدو أن المطلوب في رواية ترامب هو إلغاء هذا الفارق.

وتبلغ حرب الانطباعات ذروتها في ملف مضيق هرمز. يقول ترامب إن المضيق مفتوح ويعمل بصورة طبيعية، وإن واشنطن تفرض عليه «سيطرة كاملة»، وإن السفن لا تمرّ إلا بإذن أميركي. ثم يزعم أن إيران تخسر 500 مليون دولار يومياً بسبب توقف صادراتها. لكن هذا الرقم وحده يكشف الخلل: خسارة نصف مليار دولار يومياً تفترض توقف تصدير نحو خمسة ملايين برميل إيراني كل يوم، بينما لم تكن إيران يوماً تصدر أصلاً هذه الكمية. وبدلاً من تصدير صفر، تشير بيانات تتبع الناقلات إلى استمرار خروج نحو نصف مليون برميل إيراني يومياً من أصل مليون ونصف مليون برميل يخرج يومياً من مضيق هرمز رغم الحصار الذي يصفه ترامب بأنه جدار فولاذي لا يُخترق.

الاختبار الحاسم ليس ما يقوله ترامب، بل عدد السفن وسعر البرميل. فبيانات آب أظهرت أن التدفق عبر هرمز بقي قريباً من مليون ونصف مليون برميل يومياً، بعدما كان قبل الحرب يقارب 21 مليوناً. أما إجمالي التدفقات البديلة من خارج المضيق فيدور حول خمسة ملايين برميل يومياً. أي إن السوق لا يشهد «إغراقاً نفطياً»، بل يتعامل مع نقص كبير ومخاطر مرتفعة، وهو ما يفسّر أن سعر برنت يقفز خلال أيام من الـ 80 إلى الـ 90 دولاراً، ويقترب من الـ 95 على الطريق إلى الـ 100 دولار.

هنا دخل التلاعب بالفترة الزمنية؛ جرى تقديم متوسط يبلغ 6.1 ملايين برميل يومياً باحتساب نحو 374 مليون برميل خلال ستين يوماً منذ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، لأن رقم الـ 6 ملايين هو من رقم المليون والنصف الذي يخرج واقعياً كمتوسط لأيام شهر آب. قد تكون القسمة الحسابية صحيحة، لكنها لا تجيب عن السؤال المطروح: كم عبر في شهر آب، وخصوصاً خلال أيام التصعيد الأخيرة؟ استخدام متوسط طويل يضم أياماً كانت الحركة فيها أعلى يخفي الانخفاض الراهن ويمنح رواية «فتح المضيق» رقماً يبدو مقنعاً، ويقع ضمن منهج البروباغندا الإعلامية لا رواية الحقيقة.

سياسياً، يبدو أن انضمام جي دي فانس إلى الحملة ليس تفصيلاً. عندما يكرّر أن البرنامج النووي والقوة التقليدية والقدرات غير المتكافئة لإيران دُمّرت، تتحول مبالغات ترامب من خطاب شخصي إلى رواية رسمية للإدارة. ثم تتوزع الأدوار: «فوكس» تسوّق الرواية داخلياً، و«أكسيوس» يمنحها قصص الممرات السرية والمصادر المجهولة، وتحوّلها تقارير عربية إلى مادة بصرية تصل إلى جمهور أوسع.

قد لا تتوافر أدلة تثبت وجود غرفة عمليات إعلامية واحدة، لكن وحدة الوظيفة وتزامن التوقيت وتكامل الأدوار تسمح بالحديث عن جبهة حرب إعلامية. ترامب يطلق الادعاء، وفانس يضفي عليه الطابع المؤسسي، والمنابر الصديقة تكرره، والتقارير المصوّرة تمنحه مظهر التوثيق.

يبقى السؤال: هل نجحت الخطة؟ نجحت جزئياً في إغراق الفضاء الإعلامي، لكنها لم تنجح في إقناع الميدان أو السوق. إيران لم تنهَر، هرمز لم يعد إلى طبيعته، المخزون الدفاعي الأميركي لم يصبح غير محدود، وبرنت فوق 91 دولاراً. يمكن للإعلام أن يصنع انطباعاً بالقوة، لكنه لا يستطيع إنتاج صاروخ اعتراض، ولا تأمين ناقلة، ولا إضافة برميل واحد إلى السوق. هنا تنتهي الحرب الإعلاميّة وتبدأ حقائق الحرب.

المصدر: البناء