الإغراق الإعلامي لا يتحول إلى إغراق نفطي

ناصر قنديل

يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويكرر يومياً منذ أسبوع، إن مضيق هرمز أصبح مفتوحاً وآمناً، وإن النفط يتدفق عبره، بينما يتحدث وزير الطاقة الأميركي عن مرور نحو تسعة ملايين برميل يومياً. وتضيف تقارير أميركية أن عملية بحرية سرية تسمح بعبور ما بين خمس عشرة وعشرين ناقلة ليلاً. ومع تكرار الرواية في وسائل الإعلام الأميركية والغربية وتلقفها من عشرات المحللين والباحثين العرب المناوئين لإيران والذين يتموضعون على شاشات أبرز القنوات العربية، يبدو أن واشنطن تريد تحويل الإغراق الإعلامي إلى بديل من الإغراق النفطي الذي تحتاج إليه الأسواق.

لكن البراميل لا تنتجها التصريحات، والناقلات لا تتحرك بقرار إعلامي. والجواب الأول والأسرع عن مصداقية الرواية الأميركية جاء من سعر النفط. فلو اقتنع السوق بأن تسعة ملايين برميل تعبر هرمز يومياً، وأن المضيق عاد آمناً، لتراجعت علاوة المخاطر وانخفض سعر خام برنت. لكن السعر تجاوز 91 دولاراً وواصل الارتفاع إلى أعلى مستوياته خلال أربعة أسابيع، ما يعني أن الذين يخاطرون بأموالهم لا يجدون في كلام ترامب دليلاً على عودة التدفق الطبيعي.

يستطيع الإعلام التأثير مؤقتاً في العقود الآجلة. وقد يبيع بعض المضاربين عقود النفط إذا اقتنعوا بأن أزمة هرمز تتجه إلى الحل. لكن هذا التأثير لا يدوم؛ لأن السوق لا يستهلك الأخبار وحدها، بل يحتاج إلى براميل تصل في مواعيدها إلى المصافي. وكل برميل تعلن واشنطن خروجه من الخليج يجب أن يظهر بعد أسابيع في ميناء وصول، ومخزون دولة مستوردة، ومعدل تشغيل مصفاة.

قبل الحرب، كان يعبر هرمز نحو عشرين إلى واحد وعشرين مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات والمنتجات النفطية. وكان الخام والمكثفات وحدهما يشكلان قرابة خمسة عشر مليوناً. أما اليوم، فتضع بيانات شركات التتبع كمية الخام العابرة للمضيق قرب 1.5 إلى 1.7 مليون برميل يومياً لجميع الدول مجتمعة، بينما يرفع احتساب المنتجات النفطية الرقم إلى نحو ثلاثة ملايين، بما في ذلك ما تصدره إيران، التي تقول المراجع المحايدة إنها تضرّرت بنسبة 40% فقط في تصدير منتجاتها النفطية بسبب الحصار الأميركي.

أما الخام المتدفق عبر الطرق الخارجة عن هرمز فيقارب خمسة ملايين برميل يومياً. ويشمل النفط السعودي المنقول بخط شرق – غرب إلى ينبع، بعد انخفاضه إلى النصف من 5 ملايين إلى قرابة 2.5 مليون يومياً بسبب الاستهداف اليمني للناقلات السعودية وفرضه الحصار على تصدير النفط السعودي، وتمر هذه الكمية عبر البحر الأحمر أو خط سوميد المصري إلى سيدي كرير، ويضاف إليه النفط الإماراتي الواصل بخط حبشان إلى الفجيرة، إضافة إلى صادرات عُمان من موانئها المطلة مباشرة على بحر عُمان.

وتجمع واشنطن عمداً ما يخرج عبر ينبع وسيدي كرير والفجيرة وعُمان، وتضيف عمليات النقل بين السفن قبالة الفجيرة، ثم تقدمه بوصفه تدفقاً عبر هرمز. لكن هذه المسارات أنشئت أصلاً لتجاوز المضيق، ولا يجوز استخدامها دليلاً على فتحه. كما لا يجوز احتساب الشحنة أكثر من مرة؛ فإذا حملت ناقلة مليوني برميل من ميناء داخل الخليج، ثم نقلتها إلى ناقلة أخرى قبالة الفجيرة، تبقى الكمية مليوني برميل. أما احتسابها عند التحميل، ثم عند عبور المضيق، ثم عند النقل بين السفينتين، فيحول مليوني برميل على الورق إلى أربعة أو ستة ملايين، من دون إضافة برميل واحد إلى السوق.

التحقق من الكميات لا يحتاج إلى التسليم بالرواية الإيرانية أو الأميركية. حيث ترصد شركات مثل «كيبلر» و«فورتكسا» و«مارين ترافيك» حركة السفن، ويكشف غاطس الناقلة ما إذا كانت محملة أو فارغة. وتستطيع الأقمار الاصطناعية والرادارات تعقب السفن التي تطفئ أجهزة التعريف. ثم تظهر الحقيقة في سجلات الموانئ والجمارك في الصين والهند واليابان وكوريا، وفي مخزونات الخام ومعدلات تشغيل المصافي.

إذا كانت تسعة ملايين برميل تعبر المضيق يومياً، فهذا يعني وصول نحو 270 مليون برميل خلال شهر، بما يعادل أكثر من أربع ناقلات عملاقة محملة كل يوم، عدا ناقلات المنتجات والغاز والسفن الداخلة فارغة. ولا يمكن إخفاء هذا الحجم عن الموانئ والأقمار الاصطناعية والمصافي وشركات الشحن.
لكن الدليل الأشد وضوحاً على وضع هرمز يأتي من شركات التأمين. تستطيع الناقلة من الناحية المادية دخول المضيق من دون موافقة شركة التأمين. إلا أنها إذا عبرت بلا تغطية إضافية لأخطار الحرب، ثم أصابها صاروخ أو مسيّرة أو لغم، أو تعرضت للمصادرة، فلن تتحمل شركة التأمين العادية مسؤولية التعويض؛ لأن وثائق تأمين السفن تستثني عادة أضرار الحرب. وعندها يتحمل المالك خسارة ناقلة قد تراوح قيمتها بين مئة ومئة وخمسين مليون دولار، ويتحمل مالك الشحنة خسارة نفط قد تتجاوز قيمته 150 مليوناً، إضافة إلى مسؤوليات الطاقم والتلوث والإضرار بالغير. لذلك لا يخاطر المشغلون التجاريون بالعبور من دون تأمين، حتى لو أعلن ترامب أن الطريق مفتوح. ولا تتوقف المسألة عند قرار مالك السفينة؛ فالبنك الذي موّل شراءها يشترط استمرار التغطية، والمستأجر يرفض تحميل النفط على ناقلة غير مؤمنة، والميناء يطلب شهادة تغطي المسؤولية عن التلوث، والبحارة قد يرفضون دخول منطقة مصنفة عالية المخاطر.

وصلت الأقساط الإضافية لتأمين أخطار الحرب في هرمز، وفق أحدث النطاقات المنشورة، إلى ما بين 7.5% و10% من قيمة السفينة للرحلة أو لفترة قصيرة، بعدما كانت قبل الحرب بين 0.1% و0.25%. وهذا يعني أن تأمين ناقلة قيمتها مئة مليون دولار قد يكلف بين 7.5 وعشرة ملايين دولار لعبور واحد، وقد يصل إلى خمسة عشر مليوناً لناقلة قيمتها 150 مليوناً.

تستطيع ناقلات الشركات الوطنية العبور إذا قدمت الدولة ضماناً سيادياً، كما تستطيع بعض سفن الظل المخاطرة بتغطية محدودة أو غير معترف بها. لكن هذه الحالات الاستثنائية لا تعيد حركة كانت تبلغ 130 إلى 140 سفينة يومياً. لأن الفتح التجاري الحقيقي لا يقاس بظهور ناقلة محمية عسكرياً، بل بعودة شركات التأمين والمصارف والمشغلين الدوليين إلى قبول الرحلة بكلفة محتملة.

يمكن للإغراق الإعلامي أن يمنح ترامب بعض الوقت، وأن يؤخر اعتراف السوق بحجم النقص. لكنه لا يستطيع خفض أقساط التأمين أو زيادة عدد الناقلات أو ملء مخزونات المصافي. ولذلك يبقى السعر هو الحكم الفوري، وتبقى حركة السفن والموانئ والمخزونات والتأمين محكمة الإثبات. كما يستطيع ترامب إعلان هرمز مفتوحاً، وتستطيع الشاشات تكرار كلامه، لكن الإغراق الإعلامي لا يتحول إلى إغراق نفطي. فالخبر يصنع انطباعاً لساعات، أما البرميل فلا تثبته إلا رحلة مؤمنة تبدأ من ميناء التحميل وتنتهي داخل المصفاة.

الكمية الفعلية الموثقة عبر محطات التحميل والعبور والوصول إلى الموانئ هي 1.5 مليون برميل يومياً، ولا وجود لرقم الـ 9 ملايين برميل إلا في التصريحات الأميركية، وهي نسبة 7% من 21 مليون برميل كانت تعبر قبل الحرب من المضيق، وما يعبر من كل الخليج هو 6.5 ملايين برميل عبر هرمز ومن خارجه من أصل 30 مليون برميل يومياً قبل الحرب، أي نسبة 22% فقط.