حين تصبح الحماية وصاية: القواعد الأميركية و«إسرائيل» في قلب مشروع الهيمنة على الشرق

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

أولًا: شرقٌ تحيط به القواعد ولا تحميه
حين ننظر إلى خارطة الشرق الأوسط بعيدًا عن الدعاية السياسية، يصعب اعتبار الوجود العسكري الأميركي مجرد «انتشار دفاعي» لحماية الحلفاء. فوفق دراسة Congressional Research Service، تمتلك وزارة الدفاع الأميركية إمكانية الوصول إلى 19 موقعًا عسكريًا في الشرق الأوسط: 8 مواقع ذات وجود مستمر و11 موقعًا عسكريًا آخر. وتمتد هذه الشبكة من الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية وعُمان، إلى الأردن والعراق وسوريا، فتطوق الخليج وتراقب الممرات البحرية وتتموضع بالقرب من مناطق الصراع الأساسية. في قطر توجد قاعدة العديد التي تستضيف المقر المتقدم للقيادة المركزية ومركز العمليات الجوية المشتركة؛ وفي البحرين مقر الأسطول الخامس؛ وفي الإمارات قاعدة الظفرة وميناء جبل علي؛ وفي الكويت مواقع الإمداد والقوات البرية؛ وفي السعودية قواعد وقدرات دفاع جوي وصاروخي؛ وفي العراق مواقع في أربيل وعين الأسد؛ وفي سوريا كان نحو 900 عسكري أميركي موجودين في 2023، بينهم قوات في التنف ورميلان. والأهم أن الولايات المتحدة نفسها لا تخفي الوظيفة الاستراتيجية لقواعدها؛ فالـCRS يصف القواعد الخارجية بأنها أدوات لإسقاط القوة العسكرية والمحافظة على حضور دائم في المناطق التي تعتبرها واشنطن مهمة لمصالحها الوطنية، كما يحدد قائد CENTCOM ثلاثة محاور لعمله تشمل ردع إيران، ومواجهة التنظيمات المتطرفة، والمنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين. لذلك فإن السؤال ليس: لماذا تحمي أميركا الخليج؟ بل: من يحمي الخليج من أن يتحول إلى منصة لحروب أميركا ومصالحها؟ فالقاعدة التي يُقال إنها تحمي الدولة قد تصبح، في لحظة التصعيد، نقطة استهداف تجعل الدولة المضيفة جزءًا من الحرب التي لم تخترها. (“congress.gov” (https://www.congress.gov/crs-product/R48123?utm_source=chatgpt.com))

ثانيًا: ثروات الخليج وسيادته بين الرفاه الظاهر والارتهان الأمني
لقد صنعت دول الخليج العربي إنجازات اقتصادية وتنموية حقيقية، ولا يصح إنكارها؛ لكن تحويل هذه الرفاهية إلى دليل على نجاح النموذج الأمني الأميركي هو قراءة ناقصة. فالثروة لا تعني السيادة، وناطحات السحاب لا تمنح حصانة من الحرب. تقع قواعد الولايات المتحدة في قلب منظومة شديدة الحساسية حول الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب؛ وهو المضيق الذي مر عبره في 2022 نحو 21 مليون برميل يوميًا من السوائل النفطية، أي قرابة 21% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وحين اندلعت حرب غزة وتوسعت المواجهات في المنطقة، تعرضت قواعد أميركية في العراق وسوريا والأردن لهجمات، وتوسعت العمليات الأميركية إلى البحر الأحمر واليمن. وهذا يكشف المفارقة: القواعد التي يُقال إنها جُلبت إلى المنطقة من أجل الأمن لم تمنحها الأمن، بل جعلت جزءًا من أراضي دولها وبنيتها التحتية مرتبطًا بمواجهة عسكرية أوسع. إن استمرار الارتهان للمظلة الأميركية–الإسرائيلية يحمل خطرًا بالغًا على المصالح العربية المشتركة؛ لأن أمن الخليج لا ينبغي أن يُبنى على تحويل أرضه إلى منصات للقوة الأجنبية، ولا ينبغي أن تكون ثروات الشعوب العربية وثرواتها النفطية والمائية والمعدنية وطرق تجارتها رهينة لمعادلات القوى الكبرى. للشعوب العربية الحق الكامل في أرضها وثرواتها وسيادتها وقرارها، وليس من المنطقي أن تصبح الثروة سببًا لاستقدام القوة الأجنبية بدل أن تكون أساسًا لاستقلال القرار العربي. والرفاهية التي لا تحمي السيادة قد تكون رفاهية هشة؛ فحين تتحول المنطقة إلى ساحة حرب كبرى، قد تتحول الموانئ والمنشآت النفطية والمطارات والقواعد نفسها من رموز للرخاء إلى أهداف عسكرية. (“eia.gov” (https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=61002&utm_source=chatgpt.com))

ثالثًا: «إسرائيل» ليست حليفًا عابرًا بل جزء من منظومة الهيمنة
في قلب هذه المعادلة تقف «إسرائيل»، التي تحظى بدعم أميركي عسكري وسياسي غير مسبوق. فبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تنص مذكرة التفاهم الأمنية الممتدة من 2019 إلى 2028 على 3.3 مليارات دولار سنويًا من التمويل العسكري، إضافة إلى 500 مليون دولار سنويًا لبرامج الدفاع الصاروخي، أي 3.8 مليارات دولار سنويًا ضمن إطار المذكرة، فضلًا عن برامج تسليح وتعاون عسكري واستخباراتي ومخزونات أسلحة ومشاريع دفاعية مشتركة. وبعد 7 أكتوبر 2023، عززت واشنطن انتشارها العسكري في المنطقة، وأرسلت حاملات طائرات ومنظومات دفاع جوي وقوات إضافية، وأعلنت تسريع توفير الذخائر والقدرات الدفاعية لـ«إسرائيل». وهنا تتكشف الصورة: لا تحتاج واشنطن إلى إقامة قاعدة أميركية عملاقة داخل «إسرائيل» كي تحمي مصالحها؛ يكفي أن تحيطها بشبكة عسكرية تمتد من الخليج إلى الأردن والعراق وشرق المتوسط، وأن تمنحها التفوق النوعي والسلاح والغطاء السياسي. ومن هنا فإن الدعم الأميركي ليس عاملًا ثانويًا في إطالة عمر الاحتلال؛ إنه أحد أهم عناصر استمرار التفوق العسكري والسياسي لـ«إسرائيل». وفي المقابل، فإن كل محاولة عربية أو إقليمية لبناء توازن مستقل تُقرأ داخل المنظومة الأميركية باعتبارها تحديًا يجب احتواؤه. لذلك فإن المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، من منظور مناهض للهيمنة والاحتلال، ليست ظاهرة منفصلة عن هذا السياق؛ بل هي جزء من صراع أوسع حول من يملك حق تقرير مستقبل المنطقة: شعوبها وقواها، أم قوة عظمى تحمي مشروعًا إسرائيليًا وتعيد رسم موازين المنطقة وفق مصالحها. (“2021-2025.state.gov” (https://2021-2025.state.gov/u-s-security-cooperation-with-israel/?utm_source=chatgpt.com))

رابعًا: إيران والمقاومة في مواجهة مشروع الاحتواء
تتعامل واشنطن مع إيران باعتبارها أحد محاور استراتيجيتها العسكرية في المنطقة، وهو ما يظهر صراحة في تحديد CENTCOM «ردع إيران» كأحد خطوط جهده الأساسية. لكن قراءة المشهد من الطرف الآخر تكشف أن إيران ليست دولة معزولة عن محيطها، بل دولة إقليمية تعرضت لعقود من العقوبات والضغوط والتهديدات العسكرية، وتعتبر دعم حلفائها جزءًا من أمنها الإقليمي. وفي القانون الدولي، تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس عند وقوع هجوم مسلح؛ وقد أبلغت إيران الأمم المتحدة في مناسبات عدة أنها مارست هذا الحق ردًا على هجمات استهدفتها، ومنها رسالة أبريل 2024 التي ربطت ردها العسكري بالهجوم على منشآتها الدبلوماسية في دمشق. وفي المقابل، أبلغت الولايات المتحدة الأمم المتحدة أيضًا أنها استندت إلى المادة 51 لتبرير ضربات في العراق وسوريا. وهذه المفارقة تكشف جوهر المشكلة: القانون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز حصري للقوة العظمى وحلفائها. ومن منظور مقاوم، فإن من حق إيران أن تدافع عن نفسها وعن أمنها وأن تساند حلفاءها في مواجهة الاعتداءات والاحتلال، كما أن من حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان أن تقاومه. ولذلك فإن المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن تُقرأ هنا باعتبارها جزءًا من مواجهة مشروع الهيمنة والاحتلال، لا باعتبارها المشكلة الأصلية التي صنعت عدم الاستقرار. المشكلة الأصلية هي منظومة الاحتلال والهيمنة والقواعد الأجنبية والتدخلات التي تجعل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للقوى الكبرى. وإذا كان المطلوب استقرارًا حقيقيًا، فلا يمكن أن يكون الطريق إليه هو المزيد من القواعد والأسلحة الأجنبية، بل إنهاء الاحتلال والهيمنة، واحترام سيادة الدول، وتمكين شعوب المنطقة من تقرير مصيرها. (“un.org” (https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text?utm_source=chatgpt.com))

الخاتمة: أمنٌ عربي لا يُبنى تحت وصاية من يملك القواعد
إن أخطر ما يمثله الانتشار الأميركي في الشرق الأوسط ليس عدد القواعد وحده، وإنما الفكرة التي تقف خلفها: أن أمن المنطقة يحتاج دائمًا إلى قوة من خارجها، وأن ثرواتها وممراتها ومصالحها يجب أن تبقى ضمن شبكة نفوذ أميركية، وأن التفوق العسكري لـ«إسرائيل» يجب أن يبقى مضمونًا مهما اختلت موازين القوة على حساب الفلسطينيين والعرب. هذه المعادلة تضرب المصالح العربية المشتركة أولًا، لأنها تحول دول المنطقة إلى ساحات متجاورة لمشاريع الآخرين؛ وتضع إيران ثانيًا في مواجهة سياسة احتواء وضغط دائمين؛ وتبقي المنطقة ثالثًا في دائرة عدم الاستقرار؛ وتمنح الاحتلال الإسرائيلي، رابعًا، شروطًا تساعده على إطالة عمره بدل معالجة أصل الصراع. وفي المقابل، فإن المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، مهما اختلفت ساحاتها وأدواتها، تطرح سؤالًا واحدًا في جوهره: هل يكون الشرق لأهله أم يبقى ساحة نفوذ للقوى الكبرى؟ إن مناهضة الهيمنة الأميركية لا تعني العداء للشعوب، ولا رفض التعاون الدولي، بل تعني رفض تحويل السيادة إلى امتياز تمنحه القوة العظمى وتسحبه متى شاءت؛ وتعني أن تكون ثروات العرب وأرضهم وقرارهم لهم، وأن يكون أمن الخليج مسؤولية دوله وشعوبه، وأن يُنظر إلى المقاومة باعتبارها حقًا في مواجهة الاحتلال والهيمنة لا جريمة يجب أن تختفي كي يستقر الاحتلال.

««الأمن الذي يحتاج إلى قواعد أجنبية كي يستمر ليس أمنًا مكتمل السيادة؛ والشرق الذي لا يملك قرار حربه وسلمه لا يملك قراره أصلًا.»»