لم يعد الانقسام السياسي المتصاعد داخل الكيان الصهيوني، وما تعكسه استطلاعات الرأي الأخيرة من تراجع لحكومة بنيامين نتنياهو وصعود لخصومه، مجرد أزمة حزبية عابرة؛ بل هو مرآة جلية لحالة الاستنزاف الوجودي والاستراتيجي التي فرضتها جبهات محور المقاومة على المشروع الصهيويني برمته.
​إن التآكل المستمر في قدرة حكومة الاحتلال على تحويل أزماتها الميدانية إلى رصيد سياسي، يكشف بوضوح أن الكيان بات يعاني من أزمة عميقة في بنيته المؤسسية ووحدة جبهته الداخلية، تحت ضربات الثبات والصمود في غزة وكل ساحات الإسناد.
​سقوط أسطورة “الأمن” وفشل إدارة الدولة
​طوال عقود، استند المشروع الصهيوني على شعار “الأمن والردع” لتوحيد الجبهة الداخلية وتقديم القيادة بصورة المخلص. غير أن إطالة أمد المعركة تحت ضغط استنزاف المقاومة كشف هشاشة هذه المعادلة:
​عجز القيادة عن توفير الأمان: لم يعد الناخب الصهيوني يسأل عن المتشدد في القتل، بل عن الكفاءة والقدرة على إدارة دولة باتت تعاني من شلل في البنى التحتية، واضطرابات اقتصادية، وتصدعات في مؤسسات الحكم.
​فخ الحرب المفتوحة: إدراك الجمهور الإسرائيلي أن استمرار الحرب لم يعد يحقق أهدافاً استراتيجية، بل هو مجرد محاولة بائسة من نتنياهو لتأجيل مصيره السياسي الشخصي والهروب من المحاسبة على إخفاقات “طوفان الأقصى”.
​تحول القوة إلى عبء: كلما توغلت حكومة الاحتلال في غوائل العدوان، كلما تحولت القوة العسكرية من رصيد سياسي لنتنياهو إلى عبء استنزافي يثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات.
​المأزق السياسي: صراع على إدارة الفشل لا أكثر
​إن التنافس المحتدم في الكنيست واستطلاعات الرأي التي تُظهر عجز معسكر نتنياهو عن بلوغ عتبة الأغلبية (61 مقعداً)، لا يعني أن المعارضة تحمل مشروعاً مختلفاً جذرياً؛ بل يعكس حالة تخبط وهلع في مستويات القيادة الصهيونية كافة:
​فقدان الاستقرار الائتماني: إن تفكك الكتلة الحاكمة وعجزها عن تشكيل أغلبية مستقرة يضع الكيان أمام حلقة مفرغة من الأزمات الحكومية.
​أزمة تعريف “النصر”: الصراع الداخلي اليوم هو صراع على كيفية الخروج من المأزق الذي وضعت المقاومةُ الاحتلالَ فيه، وسط إقرار متزايد بفشل تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
​تآكل الثقة بالمؤسسات: إن تراكم الفشلان والأزمات اليومية خلق نمطاً في وعي المستوطن الصهيوني بأن المشكلة لم تعد في حدث عابر، بل في بنية الدولة وطريقة إدارتها.
​نحو مأزق أعمق: وعي الناخب الصهيوني تحت مقصلة الاستنزاف
​إن الأرقام التي تمنح المعارضة تفوقاً عددياً مؤقتاً، أو صعود شخصيات مثل غادي أيزنكوت، لا تعبر عن تحول أيديولوجي نحو السلام، بل تعبر عن بحث هستيري عن صيغة إنقاذ لكيان يترنح تحت ضربات محور المقاومة.
إن الكيان الصهيوني يواجه اليوم اختباراً تاريخياً قاسياً: هل تستطيع آلة الحرب الإسرائيلية الاستمرار دون أن تتآكل من الداخل؟
الواقع يؤكد أن محاولات اليمين المتطرف التشبث بالخطاب الأمني المتشدد لم تعد تجدي نفعاً في طمس معالم الإخفاق الاستراتيجي. ومع استمرار ضغط المقاومة بكل جبهاتها، فإن الأزمة تتجاوز حدود الخسارة الانتخابية لتمس مستقبل بقاء الكيان وهيبته الإقليمية، ليتحول وعي المستوطن تدريجياً من الخوف من المخاطر الخارجية إلى اليقين بأن قيادته السياسية والعسكرية تقوده نحو الهاوية.
د. نبيلة عفيف غصن