وحشة المواكب وصمت الميادين: حين يبدأ عزاء الخدّام على أعتاب الرحيل

أ.محمد البحر المحضار …

هل ينتهي العزاء بخلع أطراف السواد، أم إن الفقد الحقيقي يبدأ حين تخلو الطرقات من أقدام السائرين؟
كيف ليدٍ اعتادت أن تنحني رفعةً لخدمة الزوار أن تتسمر اليوم ذهولاً أمام فراغ الميادين؟
وكيف لعينٍ غسلت غبار المشاية بالدمع والابتسام أن تطبق جفنيها على صمت الموكب بعد هتاف الملايين؟
أوانقضى موسم العشق بهذه السرعة، أم إن الرحيل كان أسرع من أن تستوعبه القلوب التي عاشت العام كله تترقب هذه الأيام المعدودات؟
ما الذي يصنعه الخدّام اليوم بعد أن غادر المحبون وعاد كلٌّ إلى دياره؛ لمن يُبسط الخوان، ولمن تُسكب العبرات، وكيف يُرمم هذا الانكسار الذي يستوطن الأرواح حين يُطوى بساط الضيافة الحسينية؟

إن العشرين من صفر ليس مجرد إعلانٍ لختام مراسم الأربعين، بل هو لحظة انقسام الوجدان؛ حيث يبتدئ عزاءٌ من طرازٍ آخر، عزاءٌ لا يُكتب في كتب المآتم، بل تُحفر جراحه في قلوب أولئك العظماء الذين وقفوا على أطراف الطرقات يخدمون زوار أبي عبد الله الحسين.

لقد انقضى مشوار المشاية، لكن دموع الخدّام بدأت تسيل حسرةً على انقضاء أيام العطاء؛ دموعٌ يمتزج فيها وجع الفراق بلوعة الحرمان، وتسأل في ذهول: هل رحل الوفد، وهل خلت كربلاء، وأين ذهب ذلك المحشر النوراني الذي كان يمشي بالقلوب قبل الأقدام؟

لقد عاش هؤلاء الخدام مفارقةً عشقية لا يدرك أبعادها إلا من ذاق حلاوة الخدمة؛ كانوا يعزون ويبكون على مظلومية ابن فاطمة، لكن أحزانهم كانت تتشح بابتسامة الرضا والتكريم وهم يستقبلون القادمين من كل فجٍّ عميق.
كانت دموع المأتم تختلط لديهم بفرحة الانتماء لمدرسة الضيافة الإلهية، يترقبون هذه الأيام من العام إلى العام بفارغ الصبر، يعتبرونها محطة البعث الروحي وتجديد العهد.

لكنه القدر الذي يفرض أحكامه؛ فبمجرد أن تُستكمل المواعيد وتخبو الحركة في المواكب، ينزل عليهم الحزن القاتل، حزن من سُلب منه تاج الخدمة حتى إشعارٍ آخر، لتبدأ رحلة الانتظار الشاقة لعامٍ قادم.

وإلى أولئك الذين استعجلوا خلع السواد وظنوا أن القافلة حطت رحالها وانتهى الشجن؛ كيف يهدأ العزاء ولم تكتمل فصول الفاجعة بعد؟
إن الإمام السجاد وعمته العقيلة زينب ما زالا يخوضان غمار السفر في رحلةٍ شاقة؛ إذ شُدّت الرحال من أرض كربلاء نحو المدينة المنورة في مسارٍ هو بذاته رحلةُ عناءٍ وغمامُ عزاءٍ ثقيل، يمتد حزنه ومأتمه طيلة الفيافي والقفار القاسية، ولم يحن بعدُ الموعدُ التاريخي لورودهما ديار الجد؛ بل هما في قلب الطريق ينزفان الشوق واللوعة، ليحطا الرحال عند ضريح المصطفى وعتبته المقدسة في محرمات شهر ربيع.
لقد عادت زينب، لكنها عودةٌ تخنق الأنفاس؛ لتدخل طيبة وتفتتح مأتماً ينحب فيه الموالون مع نبي الهداية، وليخبروا جدهم بأن الوديعة قد ذُبحت، وبأن الدار أصبحت موحشة خالية من أنوار أهل البيت.
ألا ليت القوم أتاحوا المجال لشيعة محمد وآله كي يرفعوا العزاء في دار الهجرة كما ورد في المأثور، ومواساة السجاد والعقيلة عند الجد الأعظم؛ غير أن سياسات الحظر والتضييق الممتدة من إرث الطلقاء تسعى حتى لمنع أطالة الوقوف وسكب العبرة عند القبر والضريح المبارك، حارمةً العشاق من إشهار مظلوميتهم على أرض الواقع.

إن العزاء لا يزال ممتداً، وشرايين الحزن تضخ لوعتها نحو الثامن والعشرين من صفر؛ حيث المصاب الجلل والرزية الأعظم باستشهاد الرسول الأكرم، وسيد الوجود، وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ذلك الرحيل المفجع بالسم والحرقة، الذي أظلمت له السماء، وانكسر له ظهر الدين، وامتثلت بفراقه الرزايا لتتفتح أبواب المظلوميات على العترة الطاهرة.
وإنها لرسالةٌ تعصر القلب حزناً على من استعجل إظهار البهجة وبدأ بتجهيزات المولد النبوي الشريف وصياغة مظاهر الفرح قبل أن يفي بحق العزاء لرأس الوجود؛ فكيف نحتفي بذكرى ميلاد من لم نبكه في يوم وفاته وشهادته واغتياله ومقتله المسموم؟

إن المولد النبوي هو بلا ريب سيد الأفراح وقمة السعادة والبهجة الإيمانية، لكن الأدب الرفيع مع ساحة النبوة يفرض علينا ألا نخلط المآتم بالأعراس؛ فنقيم العزاء الأليم لرحيله أولاً، ونستكمل التجهيزات والاستعدادات ونصب أضواء الفرح الخضراء مع مطلع شهر ربيع الأنوار دون إشهارٍ للفرح قبل أوانه لضيق الوقت، حتى إذا انقضت أيام العزاء وسقط السواد بتمام التاسع من ربيع الأول، أطلقنا العنان لأفراح آل محمد النورانية.

فلا فرح يُستجد ولا سرور يُبتدع حتى تكتمل الميقات، وحتى يُرفع هذا السواد الممتد بانتهاء أيام الحداد لتبدأ أفراح آل محمد بذكرى المولد الشريف.

وحتى ذلك الحين، سيظل الخدّام يقفون على أطلال المواكب، يمسحون أثر الغبار عن أستارها، ويصعدون زفرات الشوق نحو كربلاء والمدينة، معلنين أن الخدمة ليست مجرد أيامٍ تنقضي، بل هي عقيدة تُعاش، وعهدٌ كُتب بالدموع والدم لا يزول حتى نلقى الحسين ونبيه الأعظم وهما عنا راضيان.