اليمن عند مفترق التصعيد والحسابات الاستراتيجية: قراءة في دلالات الخطاب العسكري وتحولات المشهد السياسي

أ.محمد البحر المحضار …

هل نحن أمام مجرد عملية خاطفة مسددة ضد تجمع عسكري طارئ في الصحراء، أم أننا نشهد إعلانًا صريحًا عن اكتمال جاهزية يمنية جديدة لقلب أوراق اللعبة وتثبيت قواعد اشتباك لا تقبل المساومة؟
كيف استطاعت استخبارات صنعاء اختراق الجدار الأمني المعقد لصحراء الوديعة وشرق البلاد في لحظة التحشيد النهائية؟
هل التقاطعات والاعترافات الضمنية المسربة من أروقة الطرف الآخر تتجاوز حدود الذهول الميداني لتشكل إقرارًا قسريًا بسقوط الرهان على إعادة التشكيل العسكري؟
ما الذي يعنيه أن تتهاوى معسكرات “الفرقة الأولى والثالثة طوارئ” تحت دقة الصواريخ الباليستية والمسيرات في لحظة زمنية فارقة، وما هي التبعات الاستراتيجية التي ستلقي بظلالها على خريطة النفوذ والتوازن في المنطقة برمتها؟

“مقدمة: الشفرة العسكرية والرسالة السياسية
لم تعد الحروب الحديثة تُدار على جبهات المواجهة التقليدية أو تُقاس بنطاق السيطرة الجغرافية المباشرة فحسب، بل غدت صراعاً مركباً على إدارة الإدراك، وهندسة معادلات الردع، وفرض الشروط السياسية عبر القوة الصلبة.
وفي هذا السياق الممتد لأكثر من عقد من الصراع، جاء البيان العسكري الأخير الصادر عن القوات المسلحة اليمنية في صنعاء على لسان المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع ليقطع الشك باليقين، ويضع نقطة التوازن الإقليمي أمام مفترق طرق حاسم.
إن الإعلان عن استهداف التجمعات العسكرية في مناطق الرويك، العبر، الثنية، ومعسكرات الوديعة شرقي البلاد عبر ضربات مركزة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ليس مجرد بلاغ ميداني عن حدث عابر، بل هو تفكيك استباقي لمنظومة تحشيد جرى إعدادها بعناية، وإعادة رسم صارمة لقواعد اللعبة.
وما أضفى على هذا التطور ثقلاً استراتيجياً مضاعفاً هو التقاطعات الميدانية والاعترافات الضمنية والصريحة الصادرة عن منصات وإعلام القوى الموالية للتحالف، والتي أكدت حجم الخسائر ودقة الضربات المسددة، مما قطع الطريق أمام أي محاولات للتضليل الإعلامي أو إنكار الواقع الميداني الجديد.

أولاً: القراءة العسكرية الميدانية – تفكيك التحشيد في العمق الاستراتيجية
من الناحية العسكرية المحتلة، حَمَلَت العملية الأخيرة في قطاع الوديعة والمناطق الحدودية والمحاذية لشرقي اليمن أبعاداً عملياتية بالغة الدقة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط جوهرية:

  1. ​الاستعلام الاستخباري النافذ: كشفت العملية عن تفوق واضح في الجانب الاستخباري ورصد التحركات، حيث تم استهداف تحشيدات في مراحلها الإعدادية النهائية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ الميداني. ضرب التجمع في مرحلة التجميع النهائي يُعد في علم الاستراتيجية العسكرية أعنف أنواع الضربات الإجهاضية التي تشل القدرة الهجومية للخصم وتفرغ خططه العسكرية من مضمونها.

٢. تكامل الوسائط الهجومية: عكس الاستخدام المشترك للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة قدرة عالية على اختراق منظومات الدفاع الجوي وتأمين وصول الضربات إلى أهدافها الحيوية في معسكرات “الفرقة الأولى والثالثة طوارئ” ومخازن الأسلحة والعتاد، مما أدى إلى تحييد القوة العسكرية المحتشدة كلياً وتدمير بنيتها التحتية الميدانية.

٣. إسقاط الملاذات الآمنة: كانت منطقة الوديعة والشرق اليمني تُعامل لفترات طويلة بوصفها مناطق خلفية آمنة بعيدة عن قوس الضغط المباشر. إن نقل الاستهداف المباشر والمركز إلى هذه الجغرافيا يُرسل إشارة عسكرية مفادها أن كل التحشيدات والمعسكرات ضمن نطاق النيران، ولا وجود لنقطة عمياء أو منطقة آمنة إذا ما تُصوّر أنها مصدر تهديد ضد العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة.

ثانياً: القراءة السياسية والاستراتيجية – معادلة “الحصار بالحصار”
سياسياً، يُعيد البيان العسكري تأكيد الثابت الاستراتيجي للقيادة في صنعاء: العلاقة العضوية بين الملف الميداني والملف الإنساني/الاقتصادي.
فالبيان لم يقدم الضربات بوصفها فعل تصعيد مجرد، بل باعتبارها رداً استباقياً على ممارسات الحصار والتصعيد الاقتصادي والعسكري الممتد.
هنا تتجلى رسالة صنعاء السياسية القاطعة: لا محاولات لفرض واقع التهدئة الرديئة (لا سلم ولا حرب)، ولا مساومة على ملف الحصار.
إن الربط بين الضربات الميدانية وإفشال مخططات التصعيد المحتملة يهدف إلى إفهام القوى الإقليمية والدولية أن المسار التفاوضي لا يمكن أن يكتسب جدية أو ديمومة إذا ما اتُّخذ مجرد غطاء لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية والتجميع الميداني.
فالقدرة على الضرب في العمق وإفشال المخططات في مهدها تمنح صنعاء موقعاً تفاوضياً صلباً، وتُبطل فاعلية أوراق الضغط السياسية والإقليمية التي تُمارَس ضدها.

ثالثاً: رسائل الردع المحنكة – المباشر والمبطّن
يحمل هذا التحول في الميدان رسائل متعددة المستويات، امتزج فيها الخطاب الصريح الصارم بالدبلوماسية المبطنة الذكية:

  • إلى القوى الإقليمية (التحالف): الرسالة المباشرة مفادها أن أي اندفاعة نحو فتح جبهات جديدة أو رهان على ورقة التصعيد العسكري لمطالبة صنعاء بالتنازل، ستكون كلفته باهظة ومستقيمة باتجاه المعسكرات والمنشآت الحيوية. أما الرسالة المبطنة، فتؤكد أن فرص السلام المشرّف والحلول الدبلوماسية الشاملة لا تزال ممكنة، بشرط رفع الحصار الكلي، احترام سيادة اليمن، والكف عن المراهنة على الحشود العسكرية التي أثبتت التجارب عقمها وعدم فاعليتها.
  • إلى القوى الدولية (الواشنطن وحلفائها): تؤكد صنعاء أن القوات المسلحة اليمنية لا تتحرك وفق رغبات الإملاءات الخارجية، وأن أي محاولات لزجر موقفها الاستراتيجي عبر تحريك أدوات محلية أو إقليمية ستواجه بردود قاسية تُربك كافة حسابات الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.
  • إلى القوى المحلية والمغرر بهم: تضمن البيان دعوة صريحة ومباشرة للمخدوعين في معسكرات التحالف للمغادرة قبل فوات الأوان. وهي رسالة ذكية تُفرق بين الأداة العسكرية المستغلة وبين الشعب اليمني، مستهدفة تفكيك البنية البشرية للطرف الآخر عبر تحكيم العقل والعودة إلى الصف الوطني.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية للمرحلة المقبلة
في ضوء التطورات الأخيرة المتمثلة في عملية الوديعة وما تبعها من تداعيات عسكرية وسياسية، يتجه المشهد اليمني والإقليمي نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتفاوت من حيث آلياتها الميدانية وتأثيراتها الاستراتيجية:
1) سيناريو تثبيت الردع والانكفاء نحو التفاوض (السيناريو المرجّح):
تدرك القوى الإقليمية في هذا المسار أن كلفة أي تصعيد جديد ستكون باهظة وغير محسوبة، مما يدفع الوسطاء الدوليين والإقليميين إلى التحرك العاجل لامتصاص الصدمة وتثبيت خطوط التهدئة، والعودة الحثيثة إلى المباحثات السياسية لحل الملفات العالقة وعلى رأسها المرتبات، الحصار، وفتح الموانئ والمطارات.
وتكمن احتمالية وتأثير هذا السيناريو في كونه الأقرب منطقياً وأعلى احتمالاً؛ بالنظر إلى القدرة الردعية العالية التي أثبتتها العملية، والتي تجعل خيار الحرب الشاملة مكلفاً للغاية ومحفوفاً بالمخاطر لكافة الأطراف الإقليمية والدولية.

2) سيناريو التصعيد المتبادل والمحدود (معركة النقطة والحرص):
يقوم هذا الاحتمال على أن تحاول القوى المستهدفة الرد بشكل غير مباشر عبر أدواتها الميدانية أو تحشيدات مضادة في جبهات أخرى لمحاولة ترميم الهيبة العسكرية التي انكسرت بالضربة الاستباقية.
ينشأ عن هذا المسار جولات متقطعة من الضربات والضربات المضادة دون الانزلاق الكامل لإعادة اشتعال كافة الجبهات المفتوحة.
وتظل احتمالية وتأثير هذا السيناريو متوسطة؛ إذ يرتبط بمدى رغبة بعض الأطراف في اختبار القوة مجدداً، إلا أنه سيناريو يظل محكوماً بقواعد اشتباك قاسية تجعل فرص توسيعه خطرة للغاية على الجميع.

3) سيناريو الانفجار الشامل وتمدد المواجهة:
يتجسد هذا المسار في حال حدوث خطأ في التقدير الاستراتيجي من قِبل التحالف أو داعميه الدوليين، بما يُفضي إلى شل قنوات التواصل السياسي بالكامل، وعندها تدفع صنعاء بنطاق نيرانها نحو أهداف إقليمية استراتيجية أوسع نطاقاً، ليطال التأثير الموانئ، المطارات، ومصادر الطاقة في العمق الإقليمي.
وتعتبر احتمالية وتأثير هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة، كونه يمثل سيناريو كارثياً على اقتصاد المنطقة وأمنها الصارم، ولن يُصار إليه إلا في حال إغلاق جميع المنافذ السياسية واستمرار الحصار كلياً.

ختاماً: السيادة اليمنية خط أحمر
إن قراءة المعطيات الأخيرة تُفضي إلى حقيقة واضحة لا لبس فيها: اليمن اليوم ليس يمن الأمس.
إن المؤسسة العسكرية في صنعاء بامتلاكها زمام المبادرة والقدرة على ضرب التجمعات العسكرية في العمق والحدود، أثبتت أن أي محاولة للمساس بسيادة اليمن أو الاستمرار في حصار شعبه ستواجه بإرادة صلبة وبنك أهداف غير محدود.
إن الرسالة القوية الحاسمة الموجهة لكل القوى الإقليمية والدولية والمحلية هي أن السلام العادل والمستدام هو الخيار الوحيد الذي يضمن الأمن والجميع، وأن سيادة اليمن وكرامة شعبه لم تكن يوماً ولن تكون مادّة للمساومة أو خطة في جدول أهداف الآخرين.
فالميدان أقال قوله، وعلى القارئ الذكي للسياسة العسكرية أن يلتقط الرسالة قبل فوات الأوان.

أما بعد…
فإن البارود الذي اشتعل في أقاصي الوديعة لم يكن سوى جرس إنذار ختامياً لكل من ظن أن سيادة اليمن ورقة قابلة للمناورة، أو أن حصار شعبه قد يمر دون كلفة زلازل ميدانية.
لقد ارتسمت المعادلة كاملة الأركان: إما أن يُحترم حبل السيادة واستقلال القرار، وإما أن تتولى الصواريخ والمسيرات صياغة الواقع بمداد من القوة القاطعة.
رفعت الجلسة…

البحر المحضار