لم تنجح الحرب في إخماد صوت غزة الثقافي؛ فبينما طالت النيران البيوت والشوارع، امتدّ الدمار إلى المساحات التي كانت تحتضن الحكاية واللون والذاكرة، فبين ركام القاعات الفنية وجدران المراكز الثقافية المتضررة، يحاول الفنانون التشكيليون في قطاع غزة استعادة مساحة للحلم، حاملين فرشاتهم وألوانهم كأدوات لمقاومة الغياب وإعادة رسم ملامح الحياة.
وفي معرض “ألوان تولد من جديد” المقام في مدينة غزة، بمبادرة من مشروع “تنفس وارسم”، تتلاقى الأعمال الفنية لتروي قصص الحب والأمل والبدايات الجديدة، وتحوّل اللوحات إلى شهادات بصرية على قدرة الإنسان على التشبث بالجمال، رغم قسوة العدوان وآثار الدمار.
“هروب”.. نافذة نحو الأمل
بين الألوان التي تحاول استعادة حضورها وسط واقع مثقل بالخراب، تعرض الفنانة التشكيلية جنة أبو عربيد إحدى لوحاتها المشاركة في المعرض، التي حملت عنوان “هروب”، محاوِلةً من خلالها البحث عن مساحة بعيدة عن قسوة المشهد اليومي، والانفتاح على نافذة تحمل شيئًا من الأمل والطمأنينة.
وتقول أبو عربيد في حديثها إلى “بوابة الهدف” إنّ اختيار عنوان العمل لم يأتِ من رغبة في الابتعاد عن الواقع فقط، وإنما من محاولة خلق مساحة داخلية تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار، موضحةً أنّ أعمالها تحمل رسالة أمل، وأن اختيارها عنوان “هروب” جاء في محاولة للانتقال من قسوة الواقع إلى مساحة أخرى تستعيد فيها ذكريات الماضي وحنينه، بما يحمله من تفاصيل وحياة كانت تسكن خلف الأبواب.
وترى الفنانة أنّ حرب الإبادة تركت أثرًا عميقًا على المشهد الفني في غزة، إذ لم تقتصر تداعياتها على الحالة النفسية للفنانين، وإنما امتدت إلى قدرتهم على ممارسة الفن، في ظل تراجع المساحات المهيأة للتعبير وصعوبة توفير الأدوات والمواد اللازمة لإنجاز أعمالهم وتفريغ مشاعرهم المختلفة.
وتلفت إلى أنّ معاناة الفنانين لم تتوقف عند غياب المساحات الفنية، بل امتدت إلى صعوبة توفير الأدوات الأساسية اللازمة للإبداع، مثل الألوان واللوحات والفرشاة، في ظل الحصار والظروف القاسية التي فرضها العدوان.
ورغم هذه التحديات، تؤكد أبو عربيد أنّ الفنان الفلسطيني يواصل البحث عن أدواته ومساحته الخاصة للتعبير، معتبرةً أنّ استمرار الفن في غزة يمثل رسالة صمود ومقاومة بحد ذاته؛ رسالة تقول إنّ الحياة قادرة على الظهور من بين الركام، وإن اللون يمكن أن يكون وسيلة لحفظ الذاكرة ومواجهة محاولات طمسها.
وتشير إلى أنّ طموح الفنانين الغزيين لا يتوقف عند حدود المكان، بل يسعون إلى إيصال أعمالهم إلى العالم والمشاركة في المعارض الدولية، لإظهار أن الفن الفلسطيني لا يزال حاضرًا، وأن الإبداع قادر على الصمود حتى في أكثر الظروف قسوة.
الموسيقى في اللوحة
من جهتها، تنقل الفنانة التشكيلية لانا نصار المشاهد عبر لوحتها إلى عالم من الأحلام المؤجلة، حيث تستحضر حلمًا شخصيًّا حالت الحرب دون تحقيقه، وتحاول أن تمنحه حياة جديدة داخل العمل الفني، ليبقى حاضرًا رغم غيابه عن الواقع.
وفي حديثها لـ “بوابة الهدف“، تقول نصار إنّ لوحتها تجسد حلمًا حالت الحرب دون تحقيقه، موضحةً أن دراستها للفنون جعلتها أكثر ارتباطًا بالتعبير عن مشاعرها عبر الصورة واللون.
وتضيف أنّ الموسيقى كانت دائمًا من أكثر الأشياء قربًا إليها، فهي بالنسبة لها ليست مجرد هواية، وإنما مساحة للأمل ومصدرًا للشعور بالجمال والحياة، موضحةً أنّ هذا الارتباط انعكس في عملها الفني، إذ تحاول من خلال اللوحة نقل جانب من شخصيتها وأملها وحلمها إلى العالم.
وتشير نصار إلى أنّ حضور اللون الأخضر في لوحتها لم يكن اختيارًا جماليًّا فقط، بل يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالحياة والتجدد، قائلة: “الأخضر يعبر عن الحياة الجديدة، وعن الإيمان بأن الأشياء يمكن أن تنبت من جديد، حتى بعد أقسى الظروف، وأن هناك دائمًا فرصة للبداية”.
“تنفس وارسم”.. الفن مساحة لمقاومة آثار الحرب
في السياق، تؤكد منسقة مبادرة “تنفس وارسم” نورا القصاصية أنّ المعرض يمثل مساحة فنية لمقاومة آثار الحرب عبر اللون والفرشاة، ومنح الفنانين فرصة لتحويل تجاربهم وأوجاعهم إلى أعمال تحمل رسائل الصمود والأمل.
وتقول القصاصية لـ “الهدف” إنّه “من خلال هذا المعرض نحاول أن نتخطى الوجع الذي عشناه، وأن نرسم بداية جديدة بالألوان والفرشاة، فالفن بالنسبة لنا وسيلة للتعبير عن وجودنا وتمسكنا بالحياة، وهو شكل من أشكال المقاومة التي نواجه بها آثار الدمار”.
وتوضح أنّ الأعمال المشاركة تعكس قدرة الفنانين في غزة على الاستمرار رغم الظروف القاسية، مشيرةً إلى أن المعرض يضم 16 فنانًا وفنانة، وأكثر من 20 عملًا فنيًّا تتناول موضوعات الحب والحلم والبدايات الجديدة، وتحمل في تفاصيلها رسائل عن الصمود وإعادة بناء الأمل من بين الركام.
وتشير القصاصية إلى أنّ الفنانين في غزة فقدوا خلال الحرب العديد من معداتهم وأدواتهم الفنية، إلى جانب تضرر المساحات المخصصة لممارسة الفن، ما شكل عائقًا أمام إنتاج أعمال جديدة، إلا أنهم واصلوا الإبداع بما توفر لديهم للحفاظ على حضور الفن باعتباره مساحة للصمود والتعبير.
وتلفت إلى أنّ استمرار الحركة الفنية في غزة يمثل تحديًا للظروف التي حاولت تغييب الثقافة والفن، مؤكدةً أن الفنانين يواصلون استخدام أدواتهم البسيطة لإيصال صوتهم للعالم، وإثبات أن اللون قادر على أن يكون مساحة للحياة والمقاومة وحفظ الذاكرة.
الفن مقاومة ثقافية في مواجهة الإبادة
ولم يكن الفنانون التشكيليون في غزة بمنأى عن تداعيات الحرب التي طالت القطاع الثقافي برمته؛ إذ فقد المشهد الفني عددًا من المبدعين، فيما تعرضت مراسم الفنانين وأعمالهم ومقتنياتهم للتدمير أو الفقدان، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمؤسسات والمساحات التي كانت تشكل حاضنة للفن التشكيلي.
من جانبه، يرى الفنان التشكيلي والخبير الفني الفلسطيني شريف سرحان أنّ الحرب الأخيرة أعادت تشكيل المشهد الفني في قطاع غزة، إذ لم تقتصر آثارها على حياة السكان، وإنما امتدت إلى طرق التعبير الفني وأدواته.
ويقول سرحان لـ “بوابة الهدف” إنّ الفنانين وجدوا أنفسهم في بداية الحرب منشغلين بمحاولات النجاة والتكيف مع الظروف القاسية، قبل أن يعودوا تدريجيًّا إلى دورهم في توثيق التجربة الإنسانية وحفظ الذاكرة الجماعية عبر مختلف أشكال الفن.
ويوضح أنّ الفنانين لجأوا إلى المساحات المتاحة، بما فيها الجدران والأماكن المتضررة، لتحويل آثار الدمار إلى أعمال تحمل رسائل إنسانية، تعكس المعاناة والصمود، وتمنح الجمهور مساحة للتعبير والتفريغ النفسي، خاصة الأطفال الذين وجدوا في الفن وسيلة للتخفيف من آثار الحرب.
ويؤكد سرحان أنّ استمرار الفنانين في غزة بالإبداع رغم فقدان الأدوات والمساحات الفنية يمثل شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية، إذ تحولت الأعمال الفنية إلى وسيلة لحفظ الذاكرة ونقل الرواية الفلسطينية إلى العالم.
خسائر تطال الفنانين والبنية الثقافية
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد استشهد خلال الحرب عدد من الفنانين التشكيليين المسجلين في اتحاد الفنانين التشكيليين، ضمن خسائر واسعة طالت العاملين في القطاع الثقافي في غزة.
كما أشار الجهاز إلى تعرض المؤسسات الثقافية والمراكز الفنية والمكتبات والمتاحف لأضرار كبيرة، في ظل الاستهداف الذي طال البنية الثقافية في القطاع.
وامتدت الأضرار إلى عدد من أبرز الفضاءات الفنية التي احتضنت تجارب الفنانين التشكيليين، من بينها غاليري شبابيك وغاليري التقاء، إلى جانب تضرر مؤسسات ثقافية وفنية أخرى، وفقدان أعمال ومقتنيات لفنانين غزيين.
فيما وثقت تقارير رصد القطاع الثقافي تدمير مراكز ثقافية وفنية، بينها مركز رشاد الشوا الثقافي، الذي كان يعد من أبرز المنصات الثقافية التي احتضنت المعارض والأنشطة الفنية.
ورغم حجم الخسائر التي طالت الفنانين والبنية الثقافية، يواصل التشكيليون في غزة إعادة بناء حضورهم الفني بإمكانات محدودة، محاولين تحويل اللوحة إلى مساحة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الصمود، والتأكيد أن الفن يبقى حاضرًا حتى في أكثر الظروف قسوة.
أحمد زقوط/بوابة الهدف الإخبارية
