تحليل هيكلي للمأزق القانوني والأخلاقي ومسارات الصدام القادم
​يقف النظام القانوني الدولي اليوم أمام أزمة وجودية غير مسبوقة؛ فالمبادئ والهياكل التي صُممت عقب الحرب العالمية الثانية لتكريس سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان تواجه عملية تفكيك وتجريد ممنهجة من الفاعلية. ولم تعد الضغوط الممارسة على مؤسسات العدالة الدولية أو ملاحقة الخبراء الأمميين مجرد أزمات عابرة، بل باتت تشير إلى تحول هيكلي يُستبدل فيه أحكام القانون الدولي بموازين القوة والترهيب السياسي.
​هذا التفكيك الصاعد من الأعلى يُقابله انفصال أخلاقي وسياسي حاد من الأسفل، حيث تشير استطلاعات الرأي العالمي إلى تشكّل فجوة عميقة بين توجهات المجتمعات وسياسات النخب الحاكمة.
​1. حالة كريم خان: تسليح الشبهات والتسييس الاستثنائي لإزاحة المدعي العام
​تُمثل التطورات الدراماتيكية التي أدت إلى دفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، نحو التنحي أو الإقالة نموذجاً صارخاً لـ “تسييس العدالة الدولية” وإرباك مسارات المساءلة:
​المحفز الأساسي (مذكرات الاعتقال 2024): خضع كريم خان والمحكمة لضغوط وهجمات مركزة منذ إصدار مذكرات اعتقال رسمية عام 2024 بحق مسؤولين إسرائيليين بارزين (بنيامين نتنياهو ويواف غالانت) لاتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
​خطاب الترهيب بلغة “المافيا”: سبقت عملية الإزاحة حملة تهديدات علنية ومباشرة، كان أبرزها الرسالة الموجهة من أكثر من 12 عضواً في الكونغرس الأمريكي إلى كريم خان في نيسان/أبريل 2024، والتي تضمنت لغة تحذيرية وُصفت بأسلوب “المافيا”؛ حيث ورد فيها صراحة: “إننا نعرفك وسنأتي بعدك وبعد فريقك وعائلتك”.
​الاستثناء الإجرائي والمحاكمة الإعلامية: رغم أن اتهامات سوء السلوك الجنسي تتطلب تحقيقاً قضائياً مستقلاً وشفافاً بعيداً عن الإعلام لحماية كافة الأطراف، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها جمعية الدول الأطراف لتسريع إزاحته جاءت استثنائية، خصوصاً بعد أن خلصت لجنة التحقيق القضائية الأولى إلى أن العتبة الإثباتية لم تُستوفَ. وبدلاً من الأطر القضائية الهادئة، جرى نقل الملف إلى الشاشات العالمية وشبكات التواصل الاجتماعي في إطار “محاكمة صورية” وإثارة إعلامية هدفت إلى خلق بيئة مشحونة لتفكيك قدرة المحكمة على الاستمرار في الملف الفلسطيني.
​الاحتفاء السياسي وتدخل القوى الكبرى: كشف الابتهاج العلني والتنسيق المباشر بين قيادات إسرائيلية والمسؤولين الأمريكيين عقب قرار الإزاحة عن الحجم الحقيقي للتدخلات السياسية المسلطة لإفراغ مذكرات الاعتقال من محتواها ولجم استقلالية المحكمة.
​2. شهادة فرانشيسكا ألبانيز: سلاح العقوبات وأنسنة التكلفة الشخصية للعدالة
​تُقدم الشهادة الشخصية للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنيّة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، صورة حية وملموسة لكيفية تحويل العقوبات الاقتصادية والقانونية إلى سلاح موجه لشل حركة المدافعين عن حقوق الإنسان:
​السبب الحقيقي للعقوبات (ملاحقة القطاع الخاص): تؤكد ألبانيز أن فرض العقوبات الأمريكية عليها لم يكن مجرد رد فعل على تقاريرها التي توثق جرائم الإبادة الجماعية أو دفاعها عن حقوق الفلسطينيين، بل جاء عقب خطوة مفصلية تمثلت في تقديمها توصية رسمية للمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيقات تشمل شركات القطاع الخاص المتورطة في دعم وتغذية الانتهاكات والجرائم الدولية.
​العزل المالي والشخصي الشامل: تسببت العقوبات الأمريكية في قطع ألبانيز كاملاً عن النظام المالي العالمي؛ حيث بات يُحظر عليها إجراء أي معاملة بنكية أو استلام مستحقاتها المالية أو الحصول على التأمين الصحي الداعم لحياتها في الخارج.
​ترهيب المحيط الاجتماعي وتجريم التعامل: يمتد الأثر القانوني للعقوبات ليشمل فرض عقوبات جنائية تصل إلى السجن لمدة 20 عاماً وغرامة قدرها مليون دولار على أي مواطن أو كيان أمريكي يجري أية معاملات تجارية أو إجرائية معها.
البعد الإنساني والشخصي: تتجلى القسوة الشخصية لهذه العقوبات في كون ألبانيز أمّاً لمواطن أمريكي ولديها أصول وسكن سابق في الولايات المتحدة، مما يمنعها من التواصل الطبيعي أو العودة، ويحول العقوبات من أداة سياسية إلى عقاب شخصي يمس تفاصيل الحياة اليومية.
​الردع المؤسسي الممتد: لم تكن ألبانيز حالة فردية، بل امتدت العقوبات ذاتها لتطال 11 مسؤولاً في المحكمة الجنائية الدولية (بمن فيهم المدعي العام ونوابه)، لترسيخ معادلة مفادها: “من يتجرأ على مسّ المصالح النافذة أو حلفائها سيواجه التدمير الشخصي والمهني”.
​3. الامتداد الداخلي: تجريم الحركة الحقوقية والاحتجاج السلمي
إن أزمة تقويض القانون لا تقف عند المحاكم الدولية بل تمتد للداخل الغربي، كما هو حاصل في المملكة المتحدة عبر ملاحقة حركة “Palestine Action”:
​إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب: تعتمد السلطات نهجاً قمعياً لتجريم النشطاء والصحفيين والمواطنين الذين يمارسون حقهم في التعبير والتجمع لرفض التواطؤ في الحرب.
​تحويل الأضرار المادية إلى إرهاب: يتم التعامل مع الأضرار المادية التي تستهدف مصانع السلاح من خلال تكييفها تحت بَيّنات “الإرهاب” أمام المحاكم الجنائية بدلاً من القضاء المدني، مما يشكل ضربة قاضية لاستقلالية القضاء البريطاني ويُهدد بتحويل هذه الممارسات إلى “جائحة قانونية” تُقوض الحقوق المدنية الدستورية.
​4. الانفصال الأخلاقي: الرأي العام العالمي في مواجهة السلطة
​أمام هذا التضييق المؤسسي، تطرح تساؤلات ملحة: هل ستسكت الشعوب؟ وإلى أين يتجه هذا الصدام؟
​في الولايات المتحدة: كشف استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة (YouGov / The Economist) أن 49% من الأمريكيين يؤيدون قيام السلطات الأمريكية باعتقال بنيامين نتنياهو استناداً إلى مذكرة المحكمة الجنائية الدولية إذا زار واشنطن، بينما يعتقد 47% أنه ارتكب جرائم حرب، ويرى 43% أن ما يجري في غزة يرقَى إلى إبادة جماعية. هذه الأرقام تُبرز شرخاً هائلاً داخل القاعدة الشعبية، ولا سيما بين فئات الشباب والمستقلين.
​في المملكة المتحدة وأوروبا: أظهرت استطلاعات مؤسسة (YouGov) لصالح منظمة (Caabu) أن نحو 50% من الشارع البريطاني يعتبرون الأفعال الإسرائيلية إبادة جماعية، بينما يؤيد ما بين 48% إلى 57% فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية وحظر شامل على تصدير السلاح، مع تسجيل رفض واسع لاستخدام تشريعات “مكافحة الإرهاب” ضد حركات الاحتجاج المدني.
​يؤدي التجاهل الحكومي لرغبات الشارع وتوظيف الأدوات الإدارية والقانونية لقمع التضامن إلى أربعة مسارات مستقبليّة رئيسية:
.1 ​إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية: تصاعد ظاهرة “التصويت العقابي”، حيث تواجه الأحزاب التقليدية الحاكمة في الغرب تآكلاً حاداً في قواعدها الانتخابية لصالح كتل سياسية جديدة تضع مبادئ العدالة والقانون الدولي في صدارة أجندتها.
.2 ​الانزلاق نحو “السلطوية الناعمة”: لجوء الأنظمة الديمقراطية إلى توسيع أدوات القمع الإداري والقانوني، عبر توسيع تعريفات الإرهاب لتشمل العصيان المدني، وملاحقة النشطاء، مما يفرغ الديمقراطية الليبرالية من مضامينها.
.3 ​التحول نحو العمل المباشر والشبكات الموازية: الانتقال من الاحتجاج التقليدي إلى المقاطعة الاقتصادية المستدامة، وتعطيل سلاسل إمداد السلاح، واستغلال قوانين “الاختصاص القضائي العالمي” لرفع دعاوى مباشرة ضد مسؤولين وشركات متورطة.
.4 ​التأسيس لنظام مشروعية موازٍ: مع شلل المؤسسات الدولية الرسمية، يتشكل وعي عابر للحدود عبر شبكات حقوقية وأكاديمية وإعلامية مستقلة تؤسس لآليات مساءلة شعبية تُعوض الفراغ الناجم عن ارتهان المؤسسات الرسمية.
​إن محاولة حماية مراكز النفوذ عبر تفكيك القضاء الدولي وفرض العقوبات على القضاة والخبراء الأمميين، بالتوازي مع قمع التعبيرات الشعبية في الداخل، لا تعبر عن قوة الأنظمة بقدر ما تكشف عن أزمة شرعية هيكلية. إن العدالة التي تُطبق حصراً على الضعفاء وتتوقف عند أعتاب القوى النافذة تفقد أهليتها الأخلاقية؛ والصدام القائم بين الشارع الواعي والسلطات الحاكمة يضع النظام الدولي برمته أمام خيارين: إما الاستجابة لمطالب الإصلاح والمساءلة الشاملة، أو الانهيار الكامل لصالح حقبة يُحكم فيها العالم بمنطق البطش والقوة العارية.
د. نبيلة عفيف غصن