عقيدة الإفلاس الهيكلي: من مأزق “هرمز” إلى مقامرة كييف في بحر قزوين

تتكشف ملامح الانهيار الهيكلي في الاستراتيجية الغربية على نحو جليّ؛ إذ تجد واشنطن نفسها غارقة في الرمال المتحركة لمضيق هرمز بعدما صنعت أزمتها بيدها، فتسارع إلى عواصم الحلفاء للبحث عن “شرعنة متعددة الأطراف” تقيها التبعات وتوزع عنها الأعباء. وفي هذه اللحظة بالذات، يسعى نظام كييف إلى إقحام نفسه بتهور في صراع الخليج عبر ضربة طائرات مسيّرة في بحر قزوين، في محاولة بائسة لإعادة تدوير وظيفته الجيوسياسية لدى الإدارة الأمريكية وتقديم خدماته لمنظومة القوة الصلبة المأزومة.
​مأزق “مشروع الحرية”: تدويل الفشل وإشهار العجز الأمريكي
​تأتي الاجتماعات المرتقبة في لندن لترتيب تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة تحت عنوان “مشروع الحرية” (Project Freedom) لتعكس عمق الفجوة بين الخطاب الإمبراطوري للبيت الأبيض وواقع القدرة الميدانية. يُحشد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ورئيس أركان الجيوش المشتركة دان كين لاستمالة أكثر من 40 دولة — بينها حلفاء إقليميون وأوروبيون — ليس بدافع إدارة استراتيجية متكاملة، بل للهروب من الفاتورة السياسية والاقتصادية الباهظة للوجود الفردي في المضيق.
​تتجلى هشاشة الموقف الأمريكي في مؤشرين أساسيين:
​الانقسام التقييمي داخل البنتاغون: تراوح التقديرات بين قراءة سطحية تعدّ هدوء الهجمات الإيرانية المؤقت دليلاً على تحييد قدرات طهران، وبين قراءة واقعية تدرك أن الحرس الثوري يمارس الصبر الاستراتيجي ويحتفظ بالقدرة الكاملة على شل الناقلات واستهداف شريان الطاقة العالمي في اللحظة التي يختارها.
​احتماء الحلفاء بشرط وقف إطلاق النار: امتناع العواصم الإقليمية والدولية عن إرسال قطعها البحرية إلى مضيق هرمز إلا بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار كامل وشامل يكشف زيف ما يسمى “الردع الأمريكي”؛ إذ لم يعد الحلفاء مستعدين للعمل كدرع واقٍ لمغامرات واشنطن دون ضمانات سياسية وحماية حقيقية.
​مقامرة كييف في بحر قزوين: الارتزاق الجيوسياسي لربط الجبهات
​في خطوة تنم عن اندفاع يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، نقلت كييف عملياتها المسلحة إلى بحر قزوين عبر استهداف سفينة شحن إيرانية. هذا الاعتداء لم يكن معزولاً عن سياق تسويق الذات لدى واشنطن؛ فبعدما فشلت كييف سابقاً في تدويل مواجهاتها في منطقة كورسك عبر استغلال الملف الكوري الشمالي، تحاول اليوم نسج ارتباط قسري بين حرب أوكرانيا وصراع الخليج العربي.
​تقديم إثبات الفاعلية للبيت الأبيض: يحاول نظام زيلينسكي إثبات جدارته كأداة عملياتية يمكن توظيفها في ساحات التوتر الإقليمي الواسعة التي تشغل بال الاستراتيجية الأمريكية، طمعاً في ضخ مزيد من المساعدات المالية والعسكرية وتسريع وتيرة الدعم الدبلوماسي.
​الربط الاستخباري المفتعل: إن ادعاءات زيلينسكي بشأن تزويد موسكو لطهران بصور الأقمار الصناعية لتحديد القواعد الأمريكية في الخليج تتجاوز البعد المعلوماتي لتصبح مبرراً سياسياً يشرعن توسيع نطاق العمليات التخريبية في الشرايين المائية لليوراسيا.
​تداخل الساحات وحدود الرد غير المتماثل
​إن اختراق الهادئ النسبي لبحر قزوين واستهداف حركة الشحن بين إيران وروسيا يحوّلان المنطقة الساحلية الشمالية لإيران إلى جبهة احتكاك جديدة، غير أن هذا التصعيد لن يجلب لكييف المكاسب التي تتوقعها:
​غياب الجدوى المباشرة: طهران تعي تماماً أن ضرب العمق الأوكراني مباشرة غير ذي جدوى عسكرية، نظراً لأن الروس ينفذون بالفعل عمليات واسعة وبأعيرة وترسانات أشد فتكاً وتطوراً.
​تفعيل الرد غير المتماثل: الرد الإيراني لن يقف عند حدود البيانات الدبلوماسية وسحب الدبلوماسيين، بل يتجه نحو استهداف نقاط الضعف الحيوية لكييف وداعميها؛ حيث تتزايد احتمالات خنق شحنات الحبوب الأوكرانية في بحر العرب والمحيط الهندي، أو تفعيل الذراع الاستخبارية والأمنية الإيرانية في المناطق التي تضعف فيها التغطية الغربية.
​يتضح أن واشنطن وحلفاءها الصغار يمارسون سياسة الهروب إلى الأمام؛ فالأولى تحاول تقسيم تكلفة فشلها في هرمز على شركاء مجهدين ومترددين، والثانية تراهن بحاضرها ومستقبلها عبر خوض حروب بالوكالة في بحر قزوين لحساب راعٍ يبحث هو نفسه عن مخرج من أزماته. إن اندماج الساحتين الصراعيتين في الخليج ويوراسيا لا يمثل قوة للتحالف الغربي، بل يؤكد اتساع رقعة الانكشاف الاستراتيجي لمنظومة هيمنة تشهد مراحل تآكلها الأخيرة. 
د. نبيلة عفيف غصن