صواريخ إيران على القواعد الأمريكية: زلزال المعادلات وامتحان الجوار
نوال عباسي- تونس
منتدى سيف القدس

إذا جاء الوعد الصادق وانشقت سماء الخليج، كأنما السماء تمزّق جيبها الصامت على صواريخ إيرانية لم تكن مجرد ردّ عسكري على قصف أمريكي، بل زلزالاً هزّ مرتكزات القوة التي ظلت لعقود عصيّة على التغيير. كانت الصواريخ كالنجوم المتساقطة التي تحمل في أحشائها ناراً لا تهدأ. حين اصطدمت بالأرض، ارتجفت الرمال كأنها تئن تحت وطأة تاريخٍ من التبعية، وتناثرت شظايا المعادلات القديمة في كل اتجاه، وكأن كل صاروخ كان يحمل على جناحيه رسالةً مكتوبةً بلغة النار: أنَّ معاقلَ القوةِ لم تعدْ منيعةً، وأنَّ جدرانَ الحصونِ التي بُنيتْ بالدباباتِ والطائراتِ قد تنهارُ في لحظةٍ. أعلن حرس الثورة الإيرانية موجاتٍ متتالية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في سبع دول عربية، من مقر الأسطول الخامس في البحرين إلى قاعدة العديد في قطر التي تُعتبر أكبر منشأة عسكرية أمريكية في المنطقة، مروراً بقاعدتي علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، وقاعدة الأزرق في الأردن، وصولاً إلى منشآت في الإمارات وعُمان. لم تكن تلك الضربات مجرد نقاط على خريطة صراع، بل رسالة مبطّنة بأن وجود القواعد الأمريكية لم يعد درعاً حامياً، بل هدفاً يُستهدف، وأن المعادلات التي رُسمت بالدبابات والطائرات قد تنقلب فجأة على من وضعها.

وبينما كان دويّ الانفجارات يخترق الآذان ويترك أثراً في جدارات الصمت، كان سيل آخر من الطلقات الإعلامية ينطلق في غرف التحرير، يسعى ليس فقط لنقل الخبر، بل لصبغه بنبرة عدائية متصاعدة تجاه طهران، في تناغم مريب مع السردية الأمريكية الزائفة التي قدّمت الضربات كاعتداء غير مبرر، متجاهلة السياق الأوسع للصراع. كان الإعلام المتصهين ينسج خيوطاً من الدخان الكثيف، يحجب بها الرؤية عن الحقيقة. وكأن المعركة عربية-فارسية بالأساس، لا صراع بين إرادة التحرر من الهيمنة الأجنبية وبين القواعد التي تنتهك السيادة. هذا التشويه الممنهج لم يكن سوى محاولة لخلق شرخٍ عميق بين سردية الحق الإيراني والضمير الجمعي للشعوب العربية، كما يشقّ المحراثُ الأرضَ ليفصلَ بين جذورِ الشجرتينِ المتجاورتين، مُخفياً أن الصواريخ التي تسقط اليوم على منشآت البنتاغون ليست عدواناً مجرداً، بل ردّ فعلٍ على منصات انطلاقٍ استُخدمتْ لعقودٍ لقصف مقدرات الشعب الإيراني والتمادي في عمليات إرهابيةٍ نكراء، كمجزرة مدرسة ميناب التي ارتوت أرضها بدماء أطفالٍ لم يذنبوا سوى أنهم وُلدوا في بلدٍ يمتلكُ قرارَه. فكيف يُطلبُ من دولةٍ أن تصبر على نيرانٍ تنطلقُ من جوارها، ثم يُلامُ درعُها حين يشتعل، وكيف لشعبٍ أن ينامَ آمناً وسهامُ الموتِ تنطلقُ من ساحاتِ جيرانهِ لتستقرَّ في صدورِ أطفاله؟

وفي الحقيقة، فإن تلك القواعد التي رُوّج لها طويلاً كدرع حامٍ وضمانة أمنية، أثبتت اليوم أنها لم تكن سوى فتيلةٍ تجذب الصواريخ وتُشعل الأزمات، وكشفت الحرب الجارية عن محدودية دورها، بل وعن خطرها الكامن؛ فالقصف الإيراني لم يستهدف المدن الآهلة بالسكان أو مرافق الشعوب الحيوية، بل استهدف البنى التحتية العسكرية الأمريكية تحديداً، تاركاً شعوب المنطقة تدفع ثمنَ صراع هي فيه ساحةٌ لا طرف. كأنها قاعةُ رقصٍ تدورُ فيها الحربُ على أنغامٍ أمريكية، بينما الشعوبُ واقفةٌ على الحوافِّ، تحملُ على أكتافها أثقالَ الدماءِ والدموعِ التي تساقطُ كالمطرِ على رمالٍ ظمأى. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي معاً: كيف لدولٍ جارةٍ أن تتحولَ أراضيها إلى قواعدَ لإطلاق النار على جارتها، ثم تدّعي الحياد أو تطلبُ من المجاورِ الصبرَ على الأذى. إن التخليَ عن مبدأ حسن الجوار، ذلك المبدأ الإسلامي والعربي الأصيل الذي يقوم على عدم الإضرار بالجار وتجنب استخدام أرضه أو سمائه لتهديد جار آخر، ليس مجرد زلة دبلوماسية، بل هو قطيعةٌ ضمنيةٌ لروابط الجغرافيا والتاريخ، كمن يقطع الجذورَ التي تمدّ الشجرةَ بالحياة، واستبدالٌ للجيرةِ العميقةِ بتحالفٍ عابرٍ مع قوةٍ لا تربطها بالمنطقةِ إلا مصالحُها النفطيةُ والعسكريةُ، ويداها مخضبتانِ بدماءِ الأبرياءِ من العراقِ إلى أفغانستانَ إلى فلسطينَ إلى ميناب، فلا غرو أن تكون يدُ الجارِ الإيرانيِّ – رغم كل الخلافاتِ السياسيةِ – أقربَ إلى المصيرِ المشتركِ من يدِ الأمريكيِّ التي لا تعرفُ للجوارِ معنى، ولا للدمِ العربيِّ والفارسيِّ قيمة.

وهذا الجوار المُهمل لا يقتصر على البرّ، بل يمتد إلى المضائق والممرات المائية التي تُشكّل شرايينَ الاقتصاد والأمن معاً. فثمة مسألة أخرى، لا تقل عن سابقاتها خطورة، تتعلق بمضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي تمر عبره نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط، كأنه شريانٌ نابضٌ يمدّ العالمَ بالحياة، لكنه يئنُّ تحتَ ثقلِ البوارجِ والسفنِ الحربيةِ التي تعبرُهُ بغطرسة، تاركةً خلفَها أثراً من زبدٍ ملوثٍ بالبارود.

تكتنفه إشكالية قانونية وسياسية نادرة، فوفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يُصنف مضيق هرمز بنظام “المرور العابر” الذي يضمن حرية ملاحة غير قابلة للتعليق. غير أن إيران، التي لم تُصادق على هذه الاتفاقية، تتمسك بحقها السيادي في تنظيم الملاحة ضمن مياهها الإقليمية، استناداً إلى مبدأ “المرور البريء” الذي يحفظ للدولة الساحلية سلطة سنّ القوانين والتدابير الأمنية اللازمة لحماية أمنها القومي، كحارسِ البيتِ الذي يحقُّ له إغلاقُ النافذةِ إذا هبَّتْ منها ريحٌ محملةٌ بالشرّ. بل إن ازدواجية المعايير هنا تبلغ ذروتها عندما نذكر أن الولايات المتحدة نفسها، أكبر المدافعين عن نظام “المرور العابر”، لم تُصادق هي الأخرى على هذه الاتفاقية، فكيف يُطلب من دولة أن تلتزم بنظام قانوني يتخلى عنه أعداؤها؟ وإن كان القانون الدولي يبدو، في هذه النقطة، ساحة للاجتهادات المتضاربة، فإن المنطق السياسي والأخلاقي يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف يُعقل أن تظل إيران محاصرة في مياهها، بينما تمر البواخر محملة بالبضائع والنفط من حولها، وكأن الجار وحده من يُمنع من التنفس في بيته، وكأن مضيق هرمز صار سوقاً مفتوحاً للجميع إلا لصاحبه؟ وكيف يُعقل أن يظل المضيق ممراً مفتوحاً للبوارج المحملة بالأسلحة التي تُستخدم ضدها، في مشهد يرتقي إلى مستوى السخرية التاريخية، كأنما البحرُ يعبرُ عن ازدرائه بهذا التناقض بأمواجهِ المتلاطمةِ التي تضربُ الصخورَ وكأنها تصرخُ احتجاجاً؟ لقد أعلن حرس الثورة الإيرانية أن صادرات الطاقة من المنطقة إما أن تكون “للجميع أو لا أحد”، وأن المضيق سيظل مغلقاً حتى تتوقف “شرور أمريكا”، وهو قرار لا يعدو أن يكون استرداداً لحق سيادي مصادَر، وتصحيحاً لخلل ظل قائماً طويلاً: أن يُستخدم مضيق جار لتهديد الجار نفسه، وأن تمر من مياهه أسلحة تصيب أبناءه، بينما يُطلب منه الصمت والانكفاء. فهل يمكن لأمة أن تقبل بهذا التناقض، وهي ترى سفن النفط تمر، وسفن الموت تمر أيضاً، بينما هي وحدها الممنوعة من العبور الآمن في جوارها، كأنما الزمنُ يعيدُ نفسَه في حلقةٍ مفرغةٍ من الظلمِ المتكرر؟

وفي خضم هذه المعركة المتصاعدة، لم تقتصر رسائل حرس الثورة على القصف والصواريخ، بل تجاوزتها إلى مخاطبة مباشرة للشعوب العربية، في محاولة لتفكيك الشرخ الذي تحاول وسائل الإعلام تعميقه، وكشف حقيقة أن الصراع ليس مع الشعوب، بل مع القواعد التي تستضيفها أراضيها. كانت رسائلُ الحرسِ كأجنحةِ حمامٍ تحملُ كلماتٍ دافئةً إلى الشعوب، تهمسُ في آذانِ النائمينَ وتزرعُ بذوراً في قلوبٍ متعبةٍ من وطأةِ الاحتلالِ. ففي بيان موجَّه إلى الشعب الكويتي، أكد الحرس الثوري أنه “لا يَكُنُّ له أي عداء”، داعياً إياه إلى “طرد القتلة المحتلين من أرضه، إذ لا ينبغي أن تبقى أرض الكويت الطاهرة تحت احتلال مجرمين قتلوا سبعين ألف فلسطيني في غزة، وارتكبوا مأساة مدرسة ميناب”. وحثَّ الكويتيين على “ألا يضيِّعوا أي فرصة لتدمير المؤسسات الأمريكية المعتدية، وتحرير الأراضي الإسلامية من قواعد الاحتلال الأمريكي”. ومضى الحرس في خطابه إلى الشعب الأردني، منادياً إياه بـ”الشعب الأردني الشريف والمسلم”، ومذكّراً إياه بأن “أرض الأردن المقدسة هي موطئ أقدام الأنبياء، وليست مكاناً للمحتلين والمجرمين الدوليين”، ومؤكداً أنه “لا نعادي بلدكم، بل نحبكم أيها الشعب النبيل كثيراً”، ومستذكراً وقوف الأردنيين “شاهداً عياناً على جرائم أمريكا والكيان الصهيوني بحق فلسطين المظلومة”، ومطالباً إياهم “بوضع حد لوجود جيش الشيطان الأكبر على أرضهم، وألا يسمحوا بأن تتحول تلك الأرض المقدسة إلى منطلق للاعتداءات على البلدان الإسلامية”. هذه الرسائل ليست مجرد مناورة إعلامية، بل هي اعتراف ضمني من طهران بأن الشرخ الحقيقي ليس بين إيران والعرب، بل بين إرادة الشعوب في التحرر من الهيمنة، وبين أنظمة تُبقي أراضيها مرتعاً للقواعد الأجنبية، كأنما الشعوبُ خيوطُ نسيجٍ واحدٍ تحاولُ الأيادي الأجنبيةُ تمزيقَه، بينما تهمسُ لها رسائلُ الحرسِ بأن الخيوطَ المتقاطعةَ تجمعُها إبرةُ المصيرِ الواحد. إن مخاطبة الحرس الثوري للشعبين الكويتي والأردني، وتذكيرهما بمآسي غزة وميناب، هي محاولة لاستعادة خيط الجوار المقطوع، ولإعادة تعريف الصراع على أنه بين “المحتل” و”المُحتَل في أرضه”، لا بين فارسي وعربي، وكأن الحرسَ يعيدُ رسمَ الخريطةِ بمدادِ الكلماتِ بعدما شوّهتها خرائطُ القواعدِ الأجنبية. وكأن حرس الثورة يقول للشعوب العربية: إن الصواريخ التي تسقط على قواعدكم لا تستهدفكم، بل تستهدف من يستخدم أرضكم منصة لقتل أطفالكم وجيرانكم، وإن كانت الأنظمة قد اختارت التحالف مع واشنطن، فإن الشعوب – في خطاب الحرس – مدعوة إلى اختيار جارتها الاستراتيجية، ويدها ليست مخضبة بدماء أبنائها، بل بدماء من دافع عنهم، كأنما دماءُ الشهداءِ في غزةَ ومينابَ تتدفقُ في عروقِ الرسالةِ الواحدةِ التي تسعى لتوحيدِ الصفِّ تحتَ رايةِ التحررِ من

الهيمنة.

غير أن المفارقة الأعمق، تكمن في أن هذا القصف الذي يُقدّم كعدوانٍ وتهديد، قد يحمل في ثناياه فرصة تاريخية نادرة للفكاك من سطوة تلك القواعد وحملها الثقيل. فالهجمات المتكررة كشفت هشاشة الوجود العسكري الأمريكي، وأوضحت أن التكاليف الأمنية والسياسية لاستضافته تفوق أي مكاسب دفاعية وهمية، كما أيقظت شعوباً كانت ترى في القواعد قدراً محتوماً وواقعاً جامداً، لتكتشف أنها مجرد خيارٍ سياسي قابل للمراجعة والتغيير، كحلمٍ ثقيلٍ يتبخرُ مع أولِ ضوءٍ للوعي، وأن درعاً أصبح يحمي من لا يحتاج الحماية، ويُغري من يبحث عن هدف، هو في حقيقته عبءٌ ثقيل على جسد الأمة، كجبلٍ يُوضعُ على صدرِ النائمِ فيمنعهُ من التنفس. وفي الشارع العربي، حيث تموج المشاعر بين الخوف والغضب، ثمّة فجوة واضحة بين مواقف الأنظمة التي تحمي القواعد الأمريكية وتتحوط بظلها، وتأييد شعبي متصاعد لضرب المصالح الأمريكية التي طالما مثلت رمزاً للتدخل والهيمنة والشر المطلق، وهذه الفجوة لن تبقى هامشية، بل قد تتحول إلى ضغطٍ نافذ يدفع الحكومات إلى إعادة حساباتها بعيداً عن التبعية، والبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية تصون السيادة وتليق بإرادة أبنائها، بدلاً من أن تبقى رهينةً لإملاءات قواعد أجنبية تخدم أجنداتٍ لا تعرف للجارة رحمة، ولا للشعب حقاً في قرار مصيره، كأنما الشعوبُ تهمسُ في آذانِ حكوماتِها بأنَّ السيادةَ ليستْ مجردَ كلمةٍ في دساتيرَ جامدةٍ، بل نَفَسٌ يملأُ الرئتينِ حينَ تُطردُ القواتُ الأجنبيةُ من كلِّ شبرٍ من الترابِ العربي. فما بالُ الدولِ الخليجيةِ لا تمدّ يدَها إلى جارتها الإيرانيةِ التي تشكّلُ عمقَها الاستراتيجيَ الطبيعي، وتكتفي بمدِّها إلى يدٍ أمريكيةٍ لا تزالُ تنزفُ دماءَ أبناءِ المنطقةِ بلا اكتراث، كما يمدُّ الغريقُ يدهُ إلى سكينٍ حادةٍ بدلاً من يدِ من يُنقذُه؟ إن إعادةَ الاعتبارِ للجوارِ، والانحيازَ إلى مصيرٍ مشتركٍ، قد يكونانِ المخرجَ الوحيدَ من هذا المأزقِ الذي تكرّسه القواعدُ الأجنبيةُ، فليسَ أقوى من أن تتحولَ هذه الضرباتُ إلى جسرٍ للتفاهمِ، لا إلى مزيدٍ من جدران الصد والشرخِ المفتوحِ، فالصواريخُ التي تُقلقُ مضاجعَ القياداتِ الأمريكيةِ قد تكونُ هي ذاتُها الجسرَ الذي يصلُ بينَ ضفتينِ طالَما افترقتا تحتَ وطأةِ الهيمنةِ الأجنبية.

إن ما يجري اليوم في سماء الخليج ليس حلقة عابرة في صراع قديم متجدد، ولا هو مجرد مناورة عسكرية في لعبة الأمم، بل ربما سيكون فاتحة صفحة جديدة في تاريخ المنطقة، صفحة تُكتب معادلات قوتها بالبارود العربي، لا بإملاءات القواعد الأجنبية، وبإرادة الأبناء، لا بمزاج الأسياد. فالصواريخ التي تسقط اليوم على منشآت البنتاغون في قلب الجزيرة العربية، والتي تثير الرعب في قاعات القيادة الأمريكية، قد تكون ذاتها المطرقة التي تحطم قيود التبعية، وتمهد الطريق لغدٍ أكثر استقلالاً، حيث لا تكون الهيمنة ثمنا للأمن، ولا السيادة رهناً لجندي أجنبي ينام على ترابها ويستيقظ على قرارات من وراء البحار. فلعل هذه الضربات تكون إيذاناً بزوال زمن الوصاية، وبدء مرحلةٍ يكتب فيها أبناء المنطقة تاريخهم بأيديهم، لا بأجنحة الطائرات الحربية الأجنبية وإنهم الاأعلَوْن إن كانوا مؤمنين.