مضيق هرمز: امريكا مفتوح-ايران مغلق!

وليد عبد الحي/موقع ساحة التحرير

ثمة تناقض بين البيانات التي تصدرها القيادة المركزية الامريكية –سينتكوم- وبين بيانات الحرس الثوري والقادة الايرانيين عن النقل البحري عبر مضيق هرمز، فالبيانات الامريكية تصف المضيق بانه “مفتوح” وان القوات الامريكية تؤمن حرية الملاحة ، وايران ترد بأنه مغلق حتى اشعار آخر ،وان السفن التي لا تلتزم بقواعد الحرس الثوري ستتعرض للتهديد، وهذه الادعاءات المتناقضة هي  ما تحتاج للتأمل.

بمراجعة تقارير هيئات النقل البحري الدولية او بيانات مراكز الدراسات ذات المصداقية او وسائل الاعلام الاقل انحيازا، يمكن القول بان المضيق مغلق بنسبة 70-75%، ومفتوح بنسبة 25-30%. ويمكن تسجيل الملاحظات التالية:

1- هناك ممرات بحرية في المضيق لاتزال تؤمنها القوات الامريكية.

2- هناك شركات شحن بحري تقوم بتغيير مسارات سفنها  او تعليق رحلاتها

3- بالقياس الكمي ،فان المعدل لعدد السفن التي كانت تعبر المضيق قبل الحرب هو في حدود 110 سفينة تجارية، بينما يتراوح عدد السفن العابرة للمضيق بعد اشتعال المواجهات  الحالية يتراوح بين 6 سفن(في ايام المواجهات الشديدة) و 30 سفينة في فترات التراخي- الى حد ما  – في المواجهات العسكرية.

والملاحظ ان تتبع حركة السفن العابرة يشير الى ان اغلب هذه السفن تمر ” حاليا ” من الممرات الجنوبية للمضيق والتي هي ضمن المياه الاقليمية العُمانية ، ولكن ضيق المضيق في بعض المناطق يؤدي لتداخل المياه الاقليمية الايرانية والعمانية، وهو ما يجعل السفن تستشعر الخطر في نقاط التداخل هذه ، ومن هنا تحاول السفن استخدام الممرات البحرية العمانية مع المخاطرة بعبور نقاط التداخل.

من جانب آخر، فان سلطنة عمان انشأت ممرات بحرية ذات طبيعة مؤقتة بعيدة بعض الشيء عن الممرات القديمة ونقاط التقاطع مع المياه الاقليمية الايرانية ،لكن هذه الممرات محدودة بفعل طوبغرافية المضيق التي لا تسمح بالتوسع في هذا الجانب ، ويبدو ان هناك مناقشات بين ايران وعمان لتقسيم المضيق لممرات ايرانية خالصة واخرى عمانية خالصة، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لتنشيط الجانب العماني على حساب الجانب الايراني.

ذلك يعني ان البيانات الامريكية بخصوص مستويات العبور البحري في المضيق صحيحة بنسبة 25-30%، بينما البيانات الايرانية صحيحة بنسبة 70-75%. وتتمثل المعضلة لطرفي الصراع في الآتي:

أ‌- لتزيد امريكا الضغط على ايران عليها ان توسع نطاق عملها العسكري، لكن ذلك ينتهي لتراجع اكبر لحرية العبور للمضيق بفعل تصاعد المخاطر ، وقد اشرنا الى ان المعدل للعبور يتراجع بنسبة تصل الى 90-95% خلال ايام المواجهات الواسعة ، وهو ما يعني ان الهدف الامريكي لا يتحقق الا بإيذاء مادي لايران،لكنه ينتهي الى تضييق وتراجع مستويات العبور الآمن للمضيق.

ب‌- من الجانب الايراني، فان جغرافية المضيق وسلاسل الجبال التي تُطل عليه تعطي الايرانيين مساحة مناورة اكبر للاغلاق، لكن ذلك ينطوي على تحمل الخسائر المادية والبشرية الأكبر بسبب الضربات الامريكية ، وتضيق الخيارات الايرانية إذا توسعت جبهة الدول(بخاصة من اوروبا) لمساندة السعي الامريكي لفك الاغلاق الايراني للمضيق.

ت‌- من الواضح من الجانب القانوني ان ايران تريد اعلاء مبدأ “المرور البريء” بينما تريد الولايات المتحدة تغليب مبدأ “المرور العابر”، فالمرور البريء يعطي الدولة الساحلية حق تنظيم المرور وفرض بعض القيود بل وتعليقه مؤقتا إذا اقتضت الضرورات الامنية ذلك، بينما العابر لا يتضمن ايا من ذلك.

ث‌- يتمثل الرهان الامريكي في الاعتقاد بان استمرار الاغلاق الايراني سيحفز دول العالم على الانضمام لامريكا للضغط على ايران بسبب تداعيات الاغلاق على اقتصاديات هذه الدول، بينما تراهن ايران على ان تداعيات الاغلاق ستدفع للضغط على قيادة الولايات المتحدة  داخليا وخارجيا للاسراع في ايجاد مخرج سلمي للمشكلة ،وهو ما تراهن عليه ايران.

الخلاصة:

كلا طرفي الصراع في مأزق من هذه الناحية تحديدا، ولا اجد في تجدد المواجهة اية مفاجأة، فقد سبق ونشرت مقالا بعد توقيع مذكرة التفاهم مباشرة بعنوان “14 لغما” في الطريق ، وها هي بدأت تتفجر، فالمصالح لاطراف الصراع كبيرة واستراتيجية، والثقة بين الطرفين معدومة تماما، والغواية بالكسب الكبير تجعل الطرفين اكثر تمسكا باهدافهما ، وفشل اي منهما في تحقيق قدر معقول من الاهداف ستكون عواقبه وخيمة.. ويبدو ان الولايات المتحدة(ومعها اسرائيل) لم يتخليا عن غواية اسقاط النظام وحرمان ايران من توظيف المضيق استراتيجيا ، وبالمقابل فان ايران ترى في انتصارها المأمول تحقيقا لهدفها الاستراتيجي بأن تكون ايران طبقا لخطتها عام 2005  هي ” مركز اقليم الشرق الاوسط” (The Core State of M.E)، ومن هنا ندرك العقدة الاستراتيجية التي تواجه الخليج للسنوات القادمة…ربما.