صنفته مجلة فوربس الامريكية في العام 2018 ضمن أكثر القادة المؤثرين في العالم ولهذا التصنيف أكثر من معنى وبيان.
آية الله علي الحسيني الخامنئي سليل مدينة مشهد أحد أقدس المزارات لدى المسلمين الشيعة وابن آية الله جواد أحد أهم علمائها، محرك الثورة الايرانية ضد نظام الشاه بل مهندسها الميداني وقلبها النابض وعقلها المدبر ووقودها.
مر من الاعتقال الى المطاردة فمحاولة الاغتيال، لكنه خرج دائما الحي المظفرالغالب والأقوى، الى حد ذهول الأصدقاء والأتباع وصدمة الخصوم والأعداء من السافاك الى مجاهدي خلق وصولا للقوى العظمى المعادية للثورة ولنظام الخميني.
عُرف بصلابته وقدرته على الصمود والجلد في تحمل الأعباء والتعذيب وضنك الاعتقال ففرض نفسه كشخصية قيادية لا تهاب شيئا ولا تنكسر، وعُرف ايضا بالصرامة في الالتزام وقوة المثابرة والاصرار، كان الخطيب المؤثر بقدرة عالية على شحن الجماهير وتحريك الشارع، منبره الديني سلاحه الأقوى والأعتى، لا يكل ولا يمل. كان يخرج من السجن ليعتلي مباشرة المنابر، ثم يُعتقل ويُعذب وهكذا حتى سقوط نظام الشاه وانتصار الثورة الاسلامية في ايران.
نجاته من معتقلات السافاك ثم من محاولة الاغتيال التي تعرض لها بعد انتصار الثورة الايرانية رفعت مكانته كرمز كفاح ومعجزة نجاة، فقال عنه الإمام الخميني بأنه من سلالة رسول الله ووريث الحسين.
لم يكن يرغب في المناصب أو التكليف، بل كل طموحه مُرَكَّز حول انتصار الثورة وبناء نظام حكم اسلامي قوي كنموذج يواجه عالم الكفر والطغيان والظلم وانتهاك حق الشعوب، ولكن شاءت الأقدار ورصيد تضحياته وعطائه وطبيعة شخصيته أن يصبح صاحب الأمر والقرار وباني الجمهورية الاسلامية الايرانية ما بعد الشاه والثورة.
عمد حال توليه قيادة الجمهورية الى إحكام السيطرة الكاملة على مفاصل الحكم بقبضة حديدية وعقل بارد وصبر هو الميزة الأبرز عنده في رسم الخطط وادارة سياساته.
في الداخل بنى المرشد عقيدة الولاء المطلق للجمهورية الاسلامية وللاسلام كنظام حكم وادارة، وعلى العِداء المطلق للغرب الامبريالي المتآمر على الثورة وعلى إستقلال وسيادة الجمهورية، وكامتداد لخط الامام الخميني، وضع استمرارية الجمهورية الإسلامية كأولوية قصوى فوق أي اعتبار آخر سواء على مستوى الداخل أو الخارج.
كان المؤسس الرئيسي لمحور المقاومة، دعما وتأطيرا وتمويلا وتكوينا ونصيحة، ونجح بفضل هذا المحور في تطويق العدوان والعدو، وتشتيت انتباهه وتركيزه عبر توزيع مجالات المواجهة المنفصلة جغرافيا لكن المرتبطة استراتيجيا والحرة تكتيكيا والمرنة حركيا وتسييريا.
ولربما استلهم من الآية 62 في سورة الشعراء التي تروي في كتاب الله عز وجل، حصار فرعون لموسى حين قال له أتباعه :” إنَّا لَمُدْرَكُونَ”، فأجاب موسى في اللحظة القاتمة و اليائسة بثقة العلم التام :” إن معي ربي سيهديني”، أي أن ربي سينجيني.
“إنّ معي ربي” هو نُطْق باليقين، يقين الأنبياء، كانت هذه عقيدة الامام المعنوية والنفسية والسياسية في مواجهة الصعاب والأزمات والأعداء بل أصبح هذا كتاب عقيدة حرب ودستور بناء الدولة والقوة والاقتدار.
على المستوى الوجداني والروحي والعقائد، ثلاث كلمات تعني موت الخوف والتحرر من كل الضغوط والحدود والرواسب والعوائق المادية الدنيوية التي تُحكم السيطرة على الانسان حتى أعتى القادة وتكبله، هنا بلغ الامام المطلق في الحرية وبين دين الله ودين العشق في موروثه الفارسي، سما لما يحلم الأصفياء ببلوغه بنظرة ثاقبة وسباقة للزمن.
“إن معي ربي” غيرت النظر والتفكير والطرائق والخطط والحسابات، القوة لم تعد تعني العدد والعديد والعدة، لأن الله معي اذن القوة معي، القوة المطلقة معي، والقوة المطلقة حدودها السماء وما بعدها.
يقين الانتصار والتفوق، ففي ثلاث مفردات، أعلى درجات الطمأنينة الروحية التي لا يملكها الا العابد المتصوف والزاهد، وذالك الناجي من سجون السافاك ومواجهة الحصار وما سبق من حروب، يُسَلِّم يقينا بأن بقاءه وانتصاره هو بأمر الله وأن الله معه.
مشروعية المظلومية للمُقَاتل، التي تََسْتحضر عبر الآية 62 مشهد بني إسرائيل أمام البحر يُرَسخ عقائدياً مفهوم “المظلومية المحاصرة” التي يتدخل الله لإنقاذها ويُحَوِّل حصارها وانكسارها إلى نصر ساحق وإغراق للعدو.
أما في مستوى فكر المعركة وركائزه وهندسة حرب المستضعفين فمن كان الله معه، لا يخشى المواجهة ولا قوة العدو الغاشمة ولا سطوة تكنولوجية عسكرية وجبروت النووي، بل يُهَئ الأسباب على طريقته ويبتكر ما لن يفكر فيه غيره، ”مسيرات وصورايخ صغيرة غير مكلفة وعمليات خاطفة بتخطيط ذكي ونبيه وفطن”، تمنح لمن الله معه قدرة فائقة على الأنتصار بل فرص التفوق.

ومن كان معه الله، يصبر ويجلد على الظلم والأذى لينال، وسيرة صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأذى واحتمال النبي أيوب مثال. فالقناعة بأن الله سينصر المظلوم المحاصر والمعاقب ولو بعد حين، ما انفكت تغذي روح المواجهة والقدرة على التحمل عند الإمام المؤمن.
في إن معي ربي قيمة المبدئية، لأن الله هو الحق المطلق والعدل المطلق، فأنا ناصر الحق والمظلوم وطالبٌ للعدل، اذن أنا أقاتل لوجه الله ويقيني في الانتصار مطلق وحدودي السماء وقناعتي لا تحدها جغرافيا الجمهورية بل تتجاوزها الى اليمن وغزة والجنوب وكل أرض فيها طالب للحق لوجه الله، وفيها معركة الحق ضد الباطل.
إن معي ربي تجعل الموت في سبيل الله والحق أحد الأسلحة الأكثر فتكا، وأكثر أبجديات الحرب وتكتيكاته ردعا للعدو، لأن العدو لن ينتصر على روح الاستشهاد ولن يعرف مَنْ يقاتل وأين يقاتل ولم يَخْلق العالم سلاحا ضد الاستشهاد، فلا إستسلام نفسي ولاهزيمة معنوية أو فكرية بل “قَاتِل ْحتى الموت أو الانتصار.
إن معي ربي، تتجاوز الشعار الديني، لتصبح مدرسة حياة وخطة بناء واستراتيجية حرب ودستور حياة ومفتاح انتصار، هي عقل وفكر ومعنًى وروح وتدبير وقاعدة انطلاق وخارطة طريق حتى المنتهى. فكان قرار الاستشهاد في 28 فيفري 26، فِعلُ فداء الفكرة والحق وفَتْح جديد على طريق الانتصار في المعركة القادمة بقَبضةِ “قُمْ لله”.
هند يحي / تونس