ناصر قنديل/جريدة البناء
ليس السؤال الحقيقي في اتفاق 26 حزيران ما إذا كانت الظروف العسكرية قد تغيرت منذ عام 1949، فهذا أمر لا خلاف عليه. وليس السؤال أيضاً ما إذا كانت أعداد الدبابات والكتائب والأسلحة التي نصت عليها اتفاقية الهدنة ما زالت صالحة في عصر الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة. فهذه تفاصيل تنفيذية قابلة للتعديل، وقد نصت اتفاقية الهدنة نفسها على إمكان تعديلها وفق الآليات التي أنشأتها. أما السؤال الذي يتجنبه أنصار اتفاق 26 حزيران فهو: لماذا غابت اتفاقية الهدنة كمرجعية وإطار قانوني عن الاتفاق؟ ولماذا تمسك بها اتفاق الطائف بعد أربعين عاماً من توقيعها، بينما أصرّ اتفاق 17 أيار على إلغائها صراحة؟
لقد جاءت اتفاقية الهدنة لعام 1949 استجابة لقرار مجلس الأمن الصادر في 16 تشرين الثاني 1948، وليس باعتبارها اتفاق سلام ثنائياً. وتنص المادة الثامنة على أن الاتفاق عُقد «لتسهيل الانتقال من المهادنة الحالية إلى سلم دائم في فلسطين»، ولذلك «يبقى نافذاً حتى الوصول إلى تسوية سلمية بين الفريقين». ولا يجوز اقتطاع عبارة «بين الفريقين» من السياق الذي وردت فيه، لأن الغاية التي حددها النص بنفسه هي الوصول إلى السلم الدائم في فلسطين، لا مجرد إقامة سلام منفرد بين لبنان و”إسرائيل”. وتؤكد المادة الثانية هذا المعنى عندما تنصّ على أن أياً من أحكام الاتفاق لا يمس حقوق أي من الطرفين أو مطالبه أو مواقفه في «التسوية السلمية النهائية لقضية فلسطين».
لم تكن الإشارة إلى القضية الفلسطينية مجرد موقف سياسي أو تعبير عن تضامن عربي، بل كانت مرتبطة مباشرة بالمصلحة الوطنية اللبنانية؛ لأن التسوية النهائية التي أحالت إليها اتفاقية الهدنة كانت، في إطار الشرعية الدولية، تشمل معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، وهو ما ينسجم مع مقدمة الدستور اللبناني التي نصت وفق اتفاق الطائف على رفض التوطين رفضاً قاطعاً. وبذلك بقيت العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية مرتبطة قانوناً بتسوية لا يمكن أن تتجاهل مصير اللاجئين الفلسطينيين، ولا أن تحوّل وجودهم في لبنان إلى واقع دائم.
ولهذا السبب تحديداً تمسك اتفاق الطائف باتفاقية الهدنة. فلم يكن ذلك تشبثاً باتفاق عسكري قديم، بل تمسكاً بالإطار القانوني الذي يربط أي تغيير في العلاقة مع “إسرائيل” بالتسوية الشاملة للقضية الفلسطينية، ويحمي في الوقت نفسه الموقف الدستوري اللبناني الرافض للتوطين. وفي المقابل، لم يكن عبثاً أن يخصص اتفاق 17 أيار مادة مستقلة لإلغاء اتفاقية الهدنة، لأنه كان يقيم نظاماً قانونياً جديداً للعلاقة اللبنانية – الإسرائيلية، ولم يكن ممكناً أن يقوم هذا النظام مع بقاء اتفاقية الهدنة نافذة.
أما اتفاق 26 حزيران، فرغم أنه يكتفي بعدم ذكر اتفاقية الهدنة، فإنه يقيم عملياً إطاراً جديداً يقوم على إنهاء النزاع وإقامة سلام ثنائي دائم بين لبنان و”إسرائيل”. وفي الوقت نفسه، يغيب عنه أي ذكر للقضية الفلسطينية، أو لحق العودة، أو لقضية اللاجئين، أو لأي ضمانة تمنع أن يؤدي تجاوز هذه القضية إلى تكريس بقائهم في لبنان خلافاً للمبدأ الدستوريّ الرافض للتوطين. ومن هنا لا يصبح تغييب اتفاقية الهدنة مجرد إغفال لنص قانونيّ، بل تجاوزاً للإطار الذي كان يربط أمن لبنان وسيادته ومصالحه الوطنية بالتسوية الشاملة للقضية الفلسطينية.
تظهر الفوارق بصورة أوضح عند مقارنة طبيعة الالتزامات. ففي اتفاقية الهدنة تقوم العلاقة على الندية الكاملة؛ فكل التزام يُفرض على لبنان يقابله التزام مماثل على “إسرائيل”. عدم استعمال القوة متبادل، وعدم القيام بأعمال عدائية متبادل، واحترام خط الهدنة والأجواء والمياه الإقليمية متبادل، والخضوع للجنة الهدنة المشتركة متبادل، والاحتكام إلى الأمم المتحدة عند النزاع حق متساوٍ للطرفين. وحتى عندما تناولت الاتفاقية القوات المسلحة، لم تقتصر علىى الجيوش النظامية، بل نصت صراحة على القوات النظامية وشبه النظامية وغير النظامية لدى الطرفين، وأخضعتها جميعاً لوقف الأعمال العدائيّة، من دون أن تجعل وجودها بحد ذاته مخالفة، أو تشترط حلها أو نزع سلاحها أو تفكيكها. لقد نظمت استعمال القوة، لكنها لم تتدخّل في البنية الداخلية لأي من الطرفين.
أما اتفاق 26 حزيران، فقد انتقل من تنظيم استعمال القوة إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني الداخلي للبنان. فهو يجعل نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتفكيك بنيتها التحتية، والتحقق من ذلك، جوهر الالتزامات اللبنانية، ثم يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بنجاح لبنان في تنفيذ هذه الالتزامات. وهكذا لا يعود الانسحاب الإسرائيلي التزاماً مقابلاً مستحقاً بطبيعة مفهوم حق السيادة للبنان، بل نتيجة مشروطة بما يقرّره الطرف الآخر حول مدى نجاح لبنان في تنفيذ ما طُلب منه. وبمثل ما يمنح الاتفاق الاحتلالَ عفواً دائماً أو مؤقتاً عن جرائمه ويعفيه من الملاحقة أمام المحاكم في مخالفة فاضحة لاتفاقيات جنيف، يمنح الاحتلالَ صلاحية موازية مخالفة لمعاهدة جنيف تسمح له بالتحكم بشروط عودة السكان وإعادة الإعمار.
ويظهر الاختلاف أيضاً في فلسفة الزمن. فقد حددت اتفاقية الهدنة مهل تنفيذ واضحة وملزمة للطرفين: أربعاً وعشرين ساعة لتبادل الأسرى، وأسبوعاً لعقد الاجتماع الأول للجنة الهدنة، وعشرة أيام فقط لسحب القوات إلى خط الهدنة، وتخفيضها إلى المستوى الدفاعي، ونزع الألغام، وتسليم خرائطها. أما اتفاق 26 حزيران، فلا يحدد موعداً نهائياً لأي التزام لإنهاء الاحتلال، بل يستبدل المهلة القانونيّة بمسار عكسي للتملص، مفتوح زمنياً: نزع سلاح، وتحقق، ومناطق تجريبية، وتقييم نجاح، ثم إعادة انتشار تدريجية، من دون سقف زمنيّ ملزم. وهكذا يتحول الزمن نفسه إلى أداة تفاوض، ويتحول استمرار الاحتلال إلى نتيجة لعدم انتهاء عملية التحقق.
ثم يأتي الفارق في المرجعية. اتفاقية الهدنة أقامت نظامها على الأمم المتحدة ولجنة هدنة مشتركة متساوية الصلاحيات، بينما يجعل اتفاق 26 حزيران الولايات المتحدة الوسيط، والمشرف، والمشارك في التحقق، وقائد الدعم الدولي، والشريك في مجموعة التنسيق العسكرية. وهو انتقال من مرجعية أممية تقوم على مساواة الدول أمام القانون، إلى مرجعية سياسية تتولاها دولة واحدة سبق ورعت وضمنت اتفاق وقف إطلاق النار في 2024 وأخلت بالتزامها.
لهذا كله، فإن المقارنة بين الاتفاقين لا تتعلّق بالماضي والحاضر، ولا بالدبابات القديمة والصواريخ الحديثة، بل بمسألتين أساسيتين: هل بقي لبنان طرفاً نداً في اتفاق تحكمه التزامات متبادلة ومرجعية دولية، أم أصبح طرفاً يخضع لمسار من الشروط والتحقق والتقييم قبل أن يحلم بأن يستعيد حقوقه السيادية؟ وهل بقيت العلاقة مع “إسرائيل” جزءاً من التسوية النهائية للقضية الفلسطينية كما أرادت اتفاقية الهدنة وأكد اتفاق الطائف، أم أصبحت علاقة ثنائية مستقلة تتجاوز تلك القضية من دون أن تقدم أي جواب عن مصير اللاجئين الفلسطينيين، أو حقهم في العودة، أو الضمانات الدستورية اللبنانية الرافضة للتوطين؟
هنا تحديداً لا يعود السؤال عن تغييب اتفاقية الهدنة سؤالاً شكلياً، بل يصبح السؤال الذي يحدد طبيعة اتفاق 26 حزيران نفسه: هل هو انتقال من نظام قانوني يقوم على الندية والاستقلال، كما هي اتفاقية الهدنة، إلى نظام جديد يقوم على الوصاية والشروط، كما هو اتفاق حزيران 2026؟
