سلسلة من أنت؟|الجزء الثالث

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

وفي ختام هذه السلسلة، لا يبقى الحديث عن سيرة رجلٍ أو مناصب شغلها، بل عن أثرٍ تجاوز حدود الزمن؛ عن قائدٍ جعل من الوعي مقاومة، ومن الثبات مشروعاً، ومن الغياب حضوراً لا ينطفئ.

قائدٌ يرى أن الوعي جزءٌ من المقاومة

كان يرى أن الاستقلال لا يكتمل بالسياسة وحدها؛ فالأمة التي لا تحمي ثقافتها، ولا تعرف تاريخها، ولا تصنع وعيها، تبقى قابلةً للاختراق مهما امتلكت من قوة. لذلك لم يكن اهتمامه بالأدب والعلم والفكر تفصيلاً جانبياً في شخصيته، بل جزءاً من رؤيته: أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على اللغة والذاكرة والهوية والوعي.

وحتى في سيرته الشخصية، ظلّت البساطة سمةً بارزة في الصورة التي عرفه بها محبوه. لم يقدّم السلطة بوصفها باباً للترف، بل بوصفها أمانة. لم يكن حديثه عن المقاومة مجرد شعار، بل كان متصلاً بفكرةٍ أعمق: أن الأمة التي تعرف قدرها، وتتمسك بإيمانها، وتستند إلى وعيها، تستطيع أن تقف في وجه القوة مهما بدا ميزانها مختلاً.

اختلف الناس حوله، وتعددت المواقف من تجربته، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن السيد علي خامنئي كان شخصيةً استثنائية في حجم حضورها وتأثيرها. رجلٌ لم يكن مجرد قائدٍ سياسي أو مرجعٍ ديني، بل كان رمزاً لمرحلة كاملة، ووجهاً لمشروعٍ أراد أن يقول إن الإرادة يمكن أن تقف أمام الجبروت، وإن الشعوب ليست قدراً مكتوباً عليها أن تبقى ضعيفة أو تابعة.

ثم جاءت لحظة الاستشهاد.

في الثامن والعشرين من شباط عام 2026، ارتقى السيد علي خامنئي شهيداً في الغارات الأميركية–الإسرائيلية التي استهدفت إيران. لم يكن ذلك التاريخ مجرد خبرٍ عابر في نشرات العالم، بل لحظةً فارقةً في وجدان محبيه، وفي تاريخ بلدٍ عاش الرجل في قلب مشروعه السياسي والديني والثقافي لعقود.

وبين يوم الاستشهاد وبداية مراسم الوداع العلنية في طهران، امتدت أشهرٌ لم تُطفئ حضوره. وحين بدأت مراسم التشييع، لم تكن الحشود مجرد أرقام، ولم تكن الرايات السوداء مجرد مشهدٍ بروتوكولي؛ كانت صورةً تقول إن الرجل الذي شغل العالم حياً، ظلّ حاضراً بعد استشهاده في وجوه الناس، وفي دعواتهم، وفي دموعهم، وفي وفود جاءت لتشارك الوداع.

لقد تحدثت الحشود حيث لا تكفي الكلمات، وقالت إن الأثر الحقيقي لا ينتهي بخروج الجسد من المشهد، بل يبدأ في الذاكرة حين يصبح الاسم عهداً ومسؤولية.

لقد كان اهتمام المحبين به مفهوماً، فهو قائدهم ورمز مشروعهم، لكن اللافت أيضاً أن أعداءه لم يستطيعوا تجاهل حضوره. فمن يترك أثراً بهذا الحجم لا يُختزل في موقفٍ عابر، ولا يمرّ في التاريخ كاسمٍ عادي. بعض الرجال يرحلون فتغلق الصفحات، وبعضهم يرحلون فتبدأ الأسئلة: ماذا تركوا؟ ماذا غيّروا؟ ولماذا بقيت صورتهم حاضرةً في الوعي والخصومة والوفاء معاً؟

وداعاً يا قائداً لا يتكرر، ويا بصمةَ فخرٍ على جبين التاريخ في مرحلةٍ كثر فيها الأذلاء والعبيد. عشت حراً، حاملاً لقضيةٍ آمنت بها، ورحلت حراً، تاركاً وراءك أثراً لا يمكن أن يُمحى.

ما يُكتب عنك ليس مغالاةً، بل حقيقةٌ يراها من عرف حجم ما حملت، وما واجهت، وما تركت. حقيقةٌ لا يدركها إلا أصحاب البصائر والقلوب التي تعرف أن الرجال لا يُقاسون بطول بقائهم في الحياة، بل بعمق ما يتركونه في الأمة.

««إنّ الأمة التي تعرف قدر نفسها، ولا تخاف من التهديد، تستطيع أن تصنع مستقبلها بيديها.»»

رحلتَ جسداً، لكنك تركت خلفك سؤالاً كبيراً لا ينتهي: كيف يمكن لرجلٍ أن يجمع بين العلم والثقافة والعبادة والثورة والقيادة، ثم يغيب وهو أكثر حضوراً مما كان ؟؟