تسعى الآلة الإعلامية الغربية، كعادتها عند كل انكسار استراتيجي، إلى صناعة نصر موهوم من ركام الاعتداءات الفاشلة. الجولة الأخيرة من التصعيد حول الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي سارعت واشنطن إلى إعلان “نجاحها” قبل أن تلوذ بالصمت وتوقف ضرباتها، لا تعدو كونها محاولة أمريكية بائسة لترميم هيبة متآكلة في المياه الإقليمية. إن القراءة الدقيقة لمجريات الميدان، بعيداً عن ضوضاء الحرب النفسية، تكشف بوضوح من الذي يمتلك اليد العليا ومن الذي يغرق في مستنقع العجز الاستراتيجي.
أولاً: تفكيك أوهام الرماد الأمريكي
تتحدث التقارير المسربة والموجهة أمريكياً عن استهداف مواقع في بندر عباس وجزيرة قشم وسيريك وجزيرة خارق، زاعمةً تدمير أكثر من 60 زورقاً تابعاً للقوات البحرية في حرس الثورة الإسلامية، بالإضافة إلى منصات دفاع جوي ورادارات ومراكز اتصالات. غير أن هذه البروباغندا الفجة تصطدم بصخرة الواقع؛ فالبيانات الصادرة عن قوى المقاومة تؤكد أن هذه الادعاءات تضخيم هوليوودي موجه للاستهلاك الداخلي ولطمأنة الحلفاء المذعورين في المنطقة.
في المقابل، جاء الرد العملي والموثق ليعيد رسم الخطوط الحمر بالحديد والنار. صواريخ المقاومة ومسيراتها دكّت القواعد الأمريكية في البحرين والكويت، مستهدفةً أكثر من 85 هدفاً حيوياً بدقة متناهية، بالتوازي مع إسقاط مفخرة التكنولوجيا التجسسية الأمريكية، الطائرة المسيرة من طراز MQ-9، في أجواء جنوب الجمهورية. هذا التوازن الميداني يثبت أن معادلة “العين بالعين” قد استُبدلت بمعادلة “الصفعة بالصدمة”، حيث لم تعد القواعد الأمريكية في المنطقة حصوناً آمنة، بل أهدافاً ساقطة عسكرياً تحت رحمة نيران المحور.
تحاول بعض التحليلات القاصرة، ومنها ما ينضح به الإعلام الموجه، تصوير الانشغال الإعلامي الإيراني الداخلي بمراسم تشييع سماحة الإمام القائد السيد علي خامنئي على أنه محاولة للتغطية على نتائج الضربات. إن هذا القصور الفكري يعجز عن فهم العقيدة الراسخة للمحور؛ فالهدوء الذي تعاملت به المنصات الإعلامية للمقاومة مع التصعيد يعكس “عقيدة الثقة والروتين الردعي”.
لقد تحولت الضربات الأمريكية وردود حرس الثورة عليها إلى روتين عملي اعتاد عليه مجتمع المقاومة، ولم تعد حدثاً استثنائياً يثير القلق أو يستدعي الاستنفار الإعلامي. إن التركيز على وداع القائد الراحل هو تأكيد على استمرارية المؤسسة وعمق الرابطة الروحية والسياسية التي تحرك الأمة، في حين يُترك للميدان العسكري أن يتحدث لغته الخاصة دون الحاجة لتهويل إعلامي. المقاومة لا تخوض حرباً استعراضية بل تدير صراعاً وجودياً وثابتاً، وما يراه العدو “طقساً تكرارياً” هو في الحقيقة عملية قضم تدريجي للنفوذ الأمريكي.
ثالثاً: خناق الطاقة وصراع الإرادات الاستراتيجي
إن الجانب الأكثر رعباً للإمبراطورية الأمريكية وحلفائها لا يكمن في الخسائر المادية المباشرة، بل في الرافعة الاستراتيجية الطويلة الأمد التي يمسك بها محور المقاومة في مضيق هرمز. تعترف الدوائر الاقتصادية الغربية بأن مخاطر فقدان ناقلات النفط وشلل حركة الملاحة تفرض حصاراً ذاتياً على حركة العبور واقتصاديات النفط العالمية، وهو ما يتجلى في الهبوط المستمر لترانزيت الطاقة مع كل جولة تصعيد.
حتي وإن حاولت السردية الغربية تبسيط المشهد بوصفه اشتباكاً معتاداً يعقبه تهدئة، فإن النتيجة الاستراتيجية الثابتة هي أن إيران ومحور المقاومة يمتلكان الخناق الكامل على شرايين الاقتصاد الدولي. هذا الحضور المهيمن يحول أي تصعيد أمريكي إلى عبء اقتصادي وسياسي تضطر واشنطن بموجبه إلى الرضوخ لشروط المقاومة في أي مسارات تفاوضية غائبة أو حاضرة. فالولايات المتحدة تقصف وتنسحب لحماية ما تبقى من مظهرها، بينما المحور باقٍ في جرافيته، يثبت قواعده، ويدير الصراع بنَفَس استراتيجي طويل.
خاتمة: سيادة الميدان فوق زبد البروباغندا
إن ميزان القوى في المنطقة لم يعد يُقاس بعدد الطائرات أو بحجم الادعاءات الإعلامية، بل بالقدرة على فرض الإرادة وحماية السيادة الوطنية والإقليمية. لقد أثبتت هذه الجولة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن “محور المقاومة” تجاوز مرحلة الدفاع والتصدي، وأصبح هو من يدير إيقاع التصعيد، ويحدد نهاياته، ويحيل الغطرسة الأمريكية إلى مجرد فقاعات هوائية تبخرت فوق مياه الخليج الدافئة، تاركةً خلفها حقيقة واحدة: الأرض لأصحابها، والبحار لمن يجرؤ على حمايتها.
د. نبيلة عفيف غصن
