الثقافة: حين لا تكون القراءة ترفاً

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

وخلف القائد والثائر، برز مثقفٌ رأى في الكتاب سلاحاً لبناء الوعي، وفي الثقافة ركناً لا ينفصل عن مشروع الاستقلال والتحرر.

لعل الجانب الثقافي في شخصية السيد علي خامنئي هو أحد أكثر جوانبها لفتاً للانتباه؛ لأنه يكسر الصورة النمطية لرجل الدين السياسي الذي لا يرى في المعرفة إلا ما يتصل بالفقه أو الإدارة أو الخطابة. فقد كان قارئاً شغوفاً منذ شبابه، واسع الاهتمام بالرواية والتاريخ والشعر والفكر، ومؤمناً بأن الكتاب ليس رفاهيةً للنخبة، بل أداةٌ لبناء الوعي وحماية الهوية.

كان يقرأ الأدب الفارسي الكلاسيكي، ويستحضر في خطابه أسماء حافظ الشيرازي، وسعدي، والفردوسي، وجلال الدين الرومي، لا بوصفهم رموزاً تراثية جامدة، بل باعتبارهم خزائن للغة والحكمة والوجدان الإنساني. كما كان مهتماً بالشعر المعاصر، ويحرص على لقاء الشعراء ومناقشة نصوصهم، وتقديم ملاحظات نقدية تتصل باللغة والصورة والمعنى والمسؤولية التي يحملها الشعر في زمن التحولات.

ولم تقف قراءاته عند الأدب الفارسي. فقد عرف عنه اهتمامه بالرواية العالمية، ولا سيما الرواية الفرنسية والروسية. تأثر بفيكتور هوغو، وكان يرى في رواية البؤساء عملاً يتجاوز حدود الحكاية إلى التأمل في المجتمع والتاريخ والرحمة والعدالة. لم يكن انجذابه إلى هوغو بسبب شهرته الأدبية وحدها، بل لما وجده في روايته من تصويرٍ للفقر، والقهر، والإنسان الذي يُدفع إلى الهامش ثم يبحث عن خلاصه وكرامته.

كما اهتم بأعمال إميل زولا، وبالروايات التي تلتقط روح المجتمع وتكشف طبقاته وتناقضاته، وقرأ أعمالاً لبلزاك، وميخائيل شولوخوف، وأليكسي تولستوي، وميشيل زيفاكو، وروجيه مارتن دو غار. وكان يتعامل مع الرواية بوعي نقدي؛ يلتفت إلى بنائها الفني، وإلى خلفيتها الفكرية، وإلى ما تكشفه عن طبيعة المجتمعات والأفكار التي صنعت تاريخها.

ولم يكن قارئاً مستهلكاً للنصوص، بل قارئاً يحاورها ويترك ملاحظاته على هوامشها. كان يرى أن القراءة الحقيقية لا تعني أن تمر العين على الكلمات، بل أن يدخل القارئ في نقاشٍ مع الكاتب: يوافق، ويعترض، ويستخلص، ويقارن بين ما يقرأه وما يؤمن به وما يراه في الواقع.ومن هنا، لم تكن علاقته بالثقافة منفصلة عن مشروعه العام. كان ينظر إلى الاستقلال الثقافي بوصفه شرطاً للاستقلال السياسي؛ فالأمة التي تتلقى أفكارها وصورها وقيمها من الخارج من دون وعي أو نقد، يمكن أن تُهزم من الداخل حتى لو امتلكت القوة على الأرض. ولذلك كان يكرر أن المعركة ليست فقط على الحدود، بل في اللغة، والكتاب، والجامعة، والفن، والذاكرة، وطريقة فهم الإنسان لذاته وتاريخه.

الكاتب والمترجم وصاحب المشروع الفكري

لم يكن السيد علي خامنئي قارئاً فحسب، بل كان كاتباً ومترجماً وصاحب دروسٍ فكرية تحولت إلى مؤلفات مرجعية في الفكر الإسلامي المعاصر.

ومن أبرز كتبه «طرحٌ عام للفكر الإسلامي في القرآن»، وهو عمل مستند إلى سلسلة محاضرات ألقاها في مسجد الإمام الحسن بمدينة مشهد عام 1974. وفيه حاول أن يقدم الإسلام بوصفه منظومةً متكاملة، لا مجموعةً من العبادات المعزولة عن المجتمع والسياسة والعدالة ومسؤولية الإنسان.

ومن كتبه المعروفة أيضاً «إنسان بعمر 250 سنة»، وهو مجموعة من الدروس والمحاضرات التي تقرأ سيرة النبي وأئمة أهل البيت عليهم السلام بوصفها مسيرةً واحدةً متصلة في مواجهة الانحراف والظلم، رغم اختلاف الأزمنة والظروف والأساليب. لا يقدّم الكتاب الأئمة كشخصياتٍ منفصلة، بل كحملة مشروعٍ واحد تتبدل أدواته بحسب مقتضيات المرحلة.

وله كذلك أعمال تتصل بالصبر، والولاية، والفكر الإسلامي، وسيرة الأئمة، وتاريخ الحوزة العلمية في مشهد، وقضايا الوحدة والتنظيم السياسي، والفن من منظور إسلامي. ومن العناوين المتداولة ضمن مؤلفاته: «روح التوحيد ونفي عبودية غير الله»، و«العمق في الصلاة»، و«حديث في الصبر»، و«أربع كتب أساسية في علم الرجال»، و«الولاية»، و«الإمام الصادق»، و«الفهم الصحيح للإسلام».

أما في الترجمة، فقد نقل إلى الفارسية عدداً من الأعمال الفكرية من العربية، ومنها كتاب «صلح الإمام الحسن» للشيخ راضي آل ياسين، وكتب وأعمال مرتبطة بالفكر الإسلامي المعاصر، من بينها نصوص لسيد قطب. لم تكن الترجمة عنده نقلاً آلياً بين لغتين، بل جسراً معرفياً بين فضاءات الفكر الإسلامي، ومحاولةً لإيصال الأسئلة الكبرى حول النهضة والعدالة والحرية ومواجهة الاستعمار إلى القارئ الفارسي.

حتى مذكراته عن سنوات الاعتقال والنفي والملاحقة لم تأتِ بوصفها استعادةً شخصيةً للمعاناة فقط، بل شهادةً على زمنٍ كامل من الصراع مع حكم الشاه، وعلى الطريقة التي تتشكل بها الإرادة حين تتحول الفكرة إلى ثمنٍ يدفعه صاحبها من حريته وراحته وأمانه.