من جعبة الصبر

بين سعادة والأربعة الحزب السوري القومي الاجتماعي فجوة “برمودا”..
أجل، فجوة “برمودا” التي ما إن دخلَنا حرمَها الزمني من بعد 8 تموز 1949 حتى نغيبَ ويُمحى أو يُشوّه ذكرُنا.

نغيب نحن الذين تعاقدنا على أمرٍ خطير يساوي وجودَنا، فوقفنا في تلك الفجوةِ معلنين الغيابَ الإرادي مهما حاول بعضُنا البحث في مبرراتِ الأزمنةِ وأحداثها ليُسقط إراداتِ الآخرين وأثرَهم على ما فينا من غياب.

والغيابُ نفسُه اعتقل حزبَ سعاده، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقيّده في سجنِ الغيبة، اللهم إلا بعضَ من ظفروا بردِّ الوديعة فسجلوا انعتاقَ البطولةِ من مجاهلِ الغيبِ شهادةَ دمٍ مدّت وجودَنا بإكسيرِ البقاء.

فسعاده، العملاقُ الفكريّ كان ينتظر من أجياله التي خاطبها وعمل لها وأستشهد لأجلها أن تقتدي به وتتعملقَ وجودًا ومعرفة، فيكونوا الحقيقةَ التي يمثّل انتصارُها القضاءَ والقدر، وأراد لحزبه أن يكون الأمةَ الناهضةَ مصغّرةً نموذجًا واقعيًّا عمليًّا وإرثًا سوريًّا حضاريًّا.

فيا خيبةَ الأملِ أيها المعلّم، فما نحن اليوم سوى أقزام، جُلُّ فعلِنا محاولةُ تقزيمِك على قياسِ قدرتِنا، كي لا يدركَ جيلٌ من أجيالِكَ حجمَ الفجوةِ فيرفضنا، ويستنكرُ فعلَنا. وحتمًا، لن يثورَ جيلُنا، لأنّ الحزبَ الذي انتحلَ صفةَ الحزبِ الذي أسّستَ، غشّانا، فحدَّ رؤيتَنا، وقد أدْلجنا نظامًا شكليًّا فَسَكَّننا، ودجّننا جيدًا كرعيّةٍ طائعة، فأصبحنا نفعلُ كلَّ شيءٍ إلّا الثورة، لأن كلَّ تلاميذِكَ وبعدهم جُلّ أتباعِك قد حذفوا الثورةَ من مدرستِك، فلا خوف على الأربعة الحزب السوري القومي الاجتماعي من تسلّل الثورةِ إليهم.

نعم، أيّها العظيم، لا مصلحةَ للأقزامِ في الثورة، فالثورةُ للعمالقةِ أمثالِك، وللعظماءِ بعظمتِك، والثوّار الحقيقيون هم رجالٌ أدركوا أنّ التعاقدَ معك هو شرفٌ التكليف الذي خصّهُمُ الوجودُ به، وهم يدركون أن الثورةَ ليست فقط لانتصارِ عقيدتِك وأبنائها، إنما الثورةُ المطلوبة اليوم، والتي تؤسّس لانتصارِ نهضَتِك، وتكون الثورةُ التي تحتاج النهضةُ لها، هي ثورةُ تحريرِك من سجنِ الأربعة الحزبِ السوري القومي الاجتماعي الذي اعتقلتك قياداتُه فيه، بل وكبلوك تقزما في زنزانةِ فرديّتِهم وقاووشِ وصوليّتِهم، حتى أنهم باتوا لا يرون فيك إلا مُلكيةً ظنّوا أنك منحتهم إيّاها من خلال بعضِ فهمٍ للرؤية التي أسّستها حزبًا.

لا عتبَ يا معلّمُ على الوصوليين والأنانيين، فهم يجيدون النموَّ في رطوبةِ الفراغ الذي يجعل من حضورِهم غيابًا، إنما العتبُ على الذين يدركون أنك الحريةُ العاصية على كلِّ قيد، والفكرُ المتحررُ من كلِّ ملكية، لأنك الواقفُ نفسَكَ على وطنِكَ وأمّتِكَ، لا على حزبٍ ما أردتَ منه إلا أن يكون النموذجَ في التنظيمِ والانتظام لقوى الأمّة، وما كان لك إلّا سجنًا ظنّ سجّانوه أنهم أُعطوا الحقَّ في القبض عليك.

العتبُ يا معلم على أولئك الرجالِ الذين رفضوا الثورةَ، فرفضوا الحرية، وارتضوا الغيابَ، واستوطنوا الفجوة.

العتبُ يا معلم على الرجالِ الذين سيقفون في فجرِ الثامنِ من قيامةٍ ليرفعوا قبضاتِهم ويحيّوا شهادتَك طقسًا وجدانيًّا، ويعودوا إلى الغيابِ الذي بات الحاضرَ الأكبرَ إلّا من بعضِ ذكرى.

فيا أيّها الرجال، جميلٌ هو الوجدانُ في فجرِ الخلودِ الأبديّ، بينما الواجبُ ثورةً تردمُ الفجوةَ وترفعُ الحريةَ على ساريةِ البطولةِ بتحريرِ سعاده والحزب من سجنِ الغيبة.. فاجعلوا الثامن من تموز قيامةَ الثورةِ فينا أيها القوميون.

طارق سيف الدين