كتب الأستاذ “وسيم الحرستاني”/حركة فجر سوريا:

‏ظاهرة ” الوكلاء الإعلاميين” :

لم تعد تُدارُ الحروب المعاصرة بحدود السلاح التقليدي وحده، بل أصبحت ترتكز في جزء كبير منها على “هندسة الوعي” واختراق الجبهات الداخلية للمجتمعات؛ وفي سياق الصراع مع الكيان الصهيوني، نشهد اليوم تحولاً استراتيجياً لافتاً في أدوات الدعاية (البروباغندا)، حيث انتقل الاحتلال من الاعتماد الحصري على منصاته الرسمية وأذرعه الغربية التقليدية، إلى نمط جديد يندرج تحت مفهوم “تعهيد البروباغندا الإعلامية” عبر استخدام وكلاء وأبواق محلية لا تنتمي للكيان عِرقياً، أو دينياً، أو ثقافياً. وتكمن خطورة هذه الأذرع الإعلامية المستحدثة في طبيعة تكوينها، إذ تضم فئات تنتمي إلى بيئات وأعراق يُفترض، بالمنطق السياسي والعقدي والتاريخي، أنها في خط المواجهة الأول والشديد مع المشروع الصهيوني، إلا أن وظيفتها الأساسية باتت تتركز في منح الخطاب الصهيوني “شرعية موضوعية مصطنعة”. فالرواية التي يرويها الاحتلال بلسانه تظل مجروحة ومرفوضة تلقائياً في الوجدان الجمعي، أما عندما تتلقفها أصوات تنتمي ديموغرافياً وثقافياً إلى البيئة المعادية له، وتدافع عنها بحماس يتجاوز أحياناً حماس المستوطن نفسه، فإنها تعمل كأداة تشويش خبيثة تهدف إلى ضرب الإجماع الأخلاقي، وإحباط الحواضن الشعبية، وزرع الهزيمة النفسية من الداخل تحت لافتات برّاقة كـ “الواقعية السياسية” أو “التنوير” المزيف.

وعند تفكيك الخلفيات السيكولوجية والسياسية لهذه الظاهرة، نجد أن هذه الأبواق تتحرك بين محركين أساسيين؛ أولهما الانتهازية النفعية المباشرة المتمثلة في التمويل المالي، والتمكين الرقمي، وفتح منصات التأثير برعاية خفية من دوائر الضغط الموالية للاحتلال، وثانيهما عقدة الدونية والتبعية التي تجعل هذه الفئات تعاني من متلازمة الارتماء في أحضان القوي المهيمن، والسعي الحثيث لتبني سرديته نفاقاً طمعاً في كسب حظوة أو مكانة اعتبارية، متناسين في هذا المسار المخزي أنهم لا يمثلون سوى “أدوات وظيفية رخيصة” في استراتيجية استعمارية كبرى لا تراهم أكثر من وسائل لتنفيذ مآرب مؤقتة.

من هنا، تثبت القراءة المعمقة للتاريخ السياسي قانوناً واحداً صارماً ومطّرداً، وهو أن القوى الاستعمارية لا تحترم أدواتها أبداً، بل يتعامل المشغّل الصهيوني مع هؤلاء المرتزقة كسلعة استهلاكية ذات صلاحية محددة ترتبط بمدى جدواها في مرحلة معينة. وإن هذه الأبواق، في عماها الفكري والبراغماتي، لا تدرك أن سلطات الاحتلال تنظر إليهم في وعيها الباطن والعلني بازدراء شديد، لكون الخيانة شذوذاً لا يمكن احترامه حتى من قِبل المستفيد منه؛ وبمجرد انتهاء الحاجة الوظيفية لهؤلاء، أو حدوث تحولات في المشهد السياسي والتحالفات الدولية، يتم التخلي عنهم فوراً وإلقاءهم في سلة المهملات التاريخية كأعباء أخلاقية مستهلكة، ليموتوا سياسياً واجتماعياً، محاطين بنبذ مجتمعاتهم وقرف مشغليهم الذين استعملوهم لتأدية الأدوار القذرة ثم تركوهم لمصيرهم المحتوم.

وفي النهاية، فإن ظاهرة “الوكلاء الإعلاميين” ليست دليلاً على قوة الكيان، بل هي مؤشر على تآكل روايته الأصلية وعجزه عن إقناع العالم بعدالة قضيته، مما اضطره لشراء ذمم وضمائر عابرة للهويات، ليظل الوعي الجماعي للمجتمعات والقدرة على فرز الخبيث من الطيب هما خط الدفاع الأول لإبطال مفعول هذه الأبواق، التي سينتهي بها المطاف حتماً كصفحة سوداء قاتمة في كتاب السقوط الأخلاقي والسياسي.