لم تعد المؤامرة على المقاومة وسلاحها مجرد تحليلات سياسية أو تسريبات صحفية تُتداول في الصالونات المغلقة؛ لقد رُفع الستار بالكامل، وتحول التآمر إلى الحبر المسموم على ورق ما يُسمى “الاتفاق الإطاري”. إننا أمام قراءة أولى وصادمة في وثيقة الاستسلام التي صاغتها سلطة متخاذلة مرتهنة، لتعلن بوقاحة عن تحالفها الجديد مع العدو الصهيوني برعاية وإملاء من المشغل الأمريكي. هذا الاتفاق يمثل طعنة في ظهر التضحيات، وتحولاً خطيراً من التآمر الشفهي إلى الالتزام الخطي بتصفية عناصر القوة اللبنانية.
أولاً: بنود صك الاستسلام – قراءة في وثيقة العار
يكشف النص الفاضح لهذا الاتفاق أن السلطة السياسية الحالية تجاوزت كل الخطوط الحمر، وباعت دماء الشهداء في سوق النخاسة الدولية من خلال بنود كارثية تستهدف تصفية الهوية الجغرافية والسياسية للبلاد. النص يقضي علناً بوصول قوات أمريكية للمشاركة في نزع سلاح المقاومة، وهو ما يمثل احتلالاً جديداً مقنعاً بعباءة أمريكية سيسقط حتماً تحت أقدام الشرفاء.
إن تحويل جنوب الصمود والكرامة إلى “مناطق معزولة السلاح” ليس خطوة أمنية أو تهدئة مؤقتة، بل هو ضربة قاضية للسيادة اللبنانية، وهدفها الوحيد تأمين العمق الصهيوني وحماية مستوطنيه على حساب أمن اللبنانيين ومكاسبهم التاريخية. يمثل هذا الاتفاق تآمراً رسمياً وممنهجاً على المقاومة، مغطىً بدعم خارجي سافر لتجريد لبنان من أوراق قوته الرادعة. ولأول مرة، يتم الاعتراف بكيان العدو رسمياً من قبل سلطة لبنانية، لكنه اعتراف باطل وغير قانوني؛ إذ جرى تمريره عبر “وفد تفاوضي” مخادع دون عرضه على مجلس الوزراء، خوفاً من المحاسبة الشعبية والدستورية والقانونية. هذا السقوط الأخلاقي والوطني لا يمثل الشرفاء والوطنيين الذين ارتوت أرضهم بدماء الشهداء؛ فالأرض التي أذلت العدو لن تقبل بأن يُشرعن وجوده عبر اتفاقات العار، وإن هذه السلطة، بلهثها وراء الإملاءات الخارجية، لم تعد تمثل سوى طبقة من العمالة، وهي تقود البلاد بخطى متسارعة نحو انفجار داخلي حتمي.
ثانياً: التسلسل الزمني للمخطط – خمس مراحل دموية لتصفية لبنان
ما نراه اليوم ليس وليد الصدفة أو وليد اللحظة السياسية الراهنة، بل هو نتاج مخطط شياطيني صِيغ خلف الأبواب المغلقة منذ عام 2019، وبتمويل ضخم عابر للحدود برعاية تريليون دولار، نُفذت مراحله بدقة عسكرية بالغة عبر تسلسل زمني تصاعدي ومدروس.
بدأ المخطط في المرحلة الأولى التي عُرفت بمرحلة “الانفجار” في الرابع من آب عام 2020، حيث تم استهداف مرفأ بيروت بتفجير يعادل قنبلة نووية صغيرة، أسفر عن ارتقاء 218 شهيداً وسقوط آلاف الجرحى وتدمير نصف العاصمة. تلا ذلك مباشرة تحركات مشبوهة لشركات طاقة إقليمية وإطلاق اتفاقيات إبراهام للتطبيع، وتفعيل بروتوكولات أمنية تهدف لشل المرفأ اللبناني وتحويل الحركة التجارية إلى موانئ حيفا وليماسول والعقبة لتجاوز لبنان بالكامل.
ثم انتقل المخطط إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة “الخنق الاقتصادي” بين عامي 2020 و2024، حيث جرى تنفيذ استراتيجية الضغط الممنهج عبر ضرب العملة الوطنية لتفقد 95% من قيمتها، وتجميد الرواتب، وقطع الكهرباء، وإغلاق المستشفيات. كان الهدف بوضوح هو تجويع الشعب اللبناني وإشغاله بلقمة عيشه اليومية حتى يرضخ لبيع سيادته مقابل الحصول على الاستقرار المعيشي الأساسي.
وجاءت المرحلة الثالثة في أيلول وتشرين الأول من عام 2024 تحت عنوان “قطع الرأس”، حيث شن العدو عدواناً واسعاً دمر فيه 1554 هدفاً في غضون 24 ساعة، تلاها اغتيال سماحة السيد حسن نصر الله، بهدف كسر الذاكرة القيادية للمقاومة وخلق فراغ يسمح بتمرير المخطط دون وجود قوة منظمة تردعه.
تلتها المرحلة الرابعة المتمثلة في “التوسع الإقليمي” خلال عام 2025، وشهدت ضربات أمريكية عسكرية في المنطقة وسقوط دمشق، والسيطرة على جبل الشيخ وبناء جدار إسمنتي بطول 67 كيلومتراً لعزل لبنان جغرافياً وتأمين القواعد الأمريكية، بالتزامن مع تدفق التمويل الخارجي الضخم المخصص للمشاريع الأمنية والطاقوية.
وصولاً إلى المرحلة الخامسة والأخيرة المتمثلة في “بيع السيادة” في 23 تشرين الثاني 2025، حيث وُقعت في واشنطن “اتفاقية الشراكة الثلاثية للطاقة” لقرصنة الغاز اللبناني وتوزيع حصصه بين القوى الخارجية والعدو الصهيوني، مع إقصاء لبنان بالكامل وتصفية حقوقه.
ثالثاً: حقيقة الأرقام الصادمة – الغاز المسلوب والسيادة المصادرة
في عقد الطاقة الثلاثي الموقع بواشنطن، تم تقسيم الحصص بوقاحة غابت عنها الدولة اللبنانية بالكامل، حيث نالت الولايات المتحدة الأمريكية عبر شركة إكسون موبيل حصة الأسد بنسبة 45%، تلاها كيان العدو الصهيوني عبر شركة نيوميد بنسبة 30%، وحصلت شركة أدنوك على نسبة 25%، في حين كانت حصة لبنان، صاحب الحق والأرض والثروة، صفر بالمئة.
إن الخطر الأكبر يكمن في البند السابع من هذه الاتفاقية، والذي يمنح الحق للشركاء باتخاذ “التدابير الوقائية اللازمة” عند وجود أي تهديدات أمنية. والترجمة الحقيقية والعملية لهذا البند هي شرعنة أي عدوان عسكري إسرائيلي أو أمريكي مباشر على المقاومة وتحت غطاء “حماية العقود التجارية والاستثمارات الدولية”. ولم تتوقف الوقاحة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تخطيط العدو لضربات غادرة تستهدف الوجدان والرموز الدينية، كسعيهم لاستهداف التجمعات في المناسبات المقدسة مثل ليلة القدر بهدف كسر الروح المعنوية، وإيصال رسالة إرهابية مفادها أنه لا مكان ولا زمان محصن من آلة بطشهم.
رابعاً: الاستنتاج الدامغ – معركة الوعي والوجود
إن الأرقام والوقائع التاريخية والميدانية لا تكذب، والحصاد الدموي لهذه المؤامرة يضع النقاط على الحروف بوضوح تام. فنحن أمام حصيلة ثقيلة تشمل ارتقاء أكثر من 8000 شهيد في الحرب و218 شهيداً في المرفأ، يرافقها انهيار بنسبة 95% في العملة الوطنية، وصفر دولار مخصص لإعادة الإعمار، وصفر بالمئة حصة للبنان في غازه وثرواته الطبيعية.
تؤكد هذه الوقائع معادلة ثابتة لا تتغير: لبنان ليس فقيراً، بل هو محاصَر ومستهدف في أمنه وثرواته. والمقاومة لم تكن يوماً سبباً للدمار أو عدم الاستقرار، بل هي السبب الأوحد لبقاء هذا الوطن موجوداً على الخريطة السياسية والجغرافية. فلولا وجود بندقية المقاومة وقوة ردعها، لبيع الغاز اللبناني بأبخس الأثمان وذهبت أرباحه بالكامل للاحتلال وعملائه، ولظل الجنوب محتلاً ومستباحاً بشكل دائم ومباشر، ولتحول لبنان بأكمله إلى محمية أمنية ذليلة تُدار مباشرة من تل أبيب، وتحول اللبنانيون إلى مجرد عمال سخرة لدى الشركات الأجنبية لاستخراج غازهم لحساب غيرهم.
خاتمة
الاختيار اليوم واضح لا لبس فيه ولا يحتمل الرمادية أو الوقوف على الحياد: إما أن ندافع عن سيادتنا وكرامتنا وأرضنا مهما غلا الثمن وعظمت التضحيات، أو نستسلم لنكون عبيداً وموظفين في شركات النفط الأجنبية التي تسرق ثروات أطفالنا ومستقبل أجيالنا.
إن الشعوب الحرة لا تُقاس بما تملك من ذهب أسود في باطن الأرض، بل بما تستعد أن تدفعه من دم أحمر قاني دفاعاً عن شرفها ووجودها. وكما سقطت أوهام العدو في الميدان وتحت ضربات المقاتلين، ستسقط وثائق العار المكتوبة تحت ضربات الوعي الشعبي وبنادق الشرفاء. في اليوم الذي انفجر فيه المرفأ، لم ينفجر ميناء فقط، بل انفجرت معه آخر أوهام أن السيادة هبة مجانية؛ واليوم تبدأ المعركة الحقيقية، معركة الوعي، ومن يربحها يربح المستقبل كله.
د. نبيلة عفيف غصن
