حين يصبح الرأي حكماً: عن حدود المعرفة وخطورة قراءة الحرب من بعيد
فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية
قد يكون هذا المقال، بالنسبة إلى البعض، رداً مباشراً عليهم، وقد يعتقد آخرون أنهم المقصودون به تحديداً. لكن الحقيقة أنني لا أكتب عن أشخاص بقدر ما أكتب عن فكرة تتكرر، وعن ظاهرة باتت تستحق التوقف عندها: هل يكفي أن يمتلك الإنسان جمهوراً واسعاً أو حضوراً إعلامياً أو قدرة على التأثير، حتى يصبح مؤهلاً لإصدار الأحكام في كل شيء؟
لنفترض مثلاً أن فناناً يمتلك صوتاً جميلاً وقاعدة واسعة من المعجبين؛ هل يعني ذلك أنه أصبح قادراً، لمجرد شهرته، على تقديم رأي حاسم في مسألة معقدة في الكيمياء أو الفيزياء؟
بالتأكيد لا.
ليس لأن رأيه لا قيمة له كإنسان، بل لأن امتلاك الحق في الكلام لا يعني امتلاك أهلية الحكم.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.
من حق كل إنسان أن يسأل، وأن يعترض، وأن يناقش، وأن يعبّر عن موقفه من القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والعسكرية وغيرها. هذا حق لا ينبغي مصادرته. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن تقول: أنا أرى، وأتساءل، وأريد أن أفهم، وبين أن تقول: أنا أحكم، وأقرر، وأعرف ما يجب أن يحدث.
فالطبيب ليس كالمريض في معرفته بالطب، والمهندس ليس كالمارّة في معرفته بالهندسة، والعسكري الذي أمضى سنوات في دراسة العقيدة العسكرية والميدان والاستخبارات واللوجستيات ليس كالمواطن الذي يتابع مشهداً على شاشة هاتفه.
وهذا ليس انتقاصاً من المواطن.
بل احترامٌ للعقل.
فالقرآن نفسه يضع قاعدة شديدة الوضوح:
«﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾»
ويقول:
«﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾»
المشكلة إذن ليست في أن يكون لك رأي، وإنما في أن تتحول قلة المعرفة إلى ثقة زائدة، ثم تتحول الثقة إلى حكم، ثم يصبح الحكم موقفاً عاماً يُطلب من الآخرين التعامل معه وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
وهنا نصل إلى ما يحدث اليوم في النقاش حول المقاومة، سواء في لبنان أو فلسطين أو اليمن أو غيرها من الساحات المرتبطة بالصراع مع المشروع الصهيوني.
لقد كثرت في الآونة الأخيرة موجات من الانتقاد والمواقف التي تُقدَّم أحياناً وكأنها قراءة نهائية للمشهد: لماذا تقاتلون؟ لماذا لا تتراجعون؟ لماذا لا تقبلون؟ لماذا تدفعون الثمن؟
أسئلة مشروعة في أصلها.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه الأسئلة هو:
من أين نقرأ الحرب؟
هل نقرأها من غرفة آمنة، أم من بين الركام؟
هل نقرأها من خلف شاشة، أم من موقع يعرف معنى أن يكون الليل والنهار متشابهين تحت النار؟
هل نحسب الخسائر بالأرقام فقط، أم نفهم معنى أن يفقد إنسان منزله، أو عائلته، أو أرضه، أو رفيقه، ثم يُطلب منه أن يتخذ قراراً مصيرياً بناءً على رؤية شخص بعيد عن الميدان؟
لا أحد يملك احتكار الحقيقة، وهذا يشمل المقاومة نفسها. لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول البعيد عن الميدان إلى خبير في تفاصيله لمجرد أنه يمتلك منصة وجمهوراً.
هناك فرق بين أن تنتقد القرار، وأن تتجاهل طبيعة المعركة التي أُخذ فيها القرار.
وهناك فرق أكبر بين أن تنتقد أداء المقاومة، وبين أن تتجاهل وجود العدو ومشروعه وأهدافه ثم تجعل المقاومة أصل المشكلة.
وهنا تحديداً تصبح الذاكرة التاريخية ضرورة، لا ترفاً.
ففكرة أن القضية تنتهي عند حدود “الحجر” ليست جديدة. التاريخ الفلسطيني يقدم أمثلة كثيرة على أن خسارة المنزل لم تكن دائماً نهاية القصة، بل كانت في كثير من الأحيان بداية لمسار الاقتلاع والمصادرة والإحلال.
الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 750 ألف فلسطيني اقتُلعوا من منازلهم في نكبة 1948، وأن القضية لم تكن مجرد تدمير مبانٍ، بل فقداناً للأرض والممتلكات والقدرة على العودة إليها.
وهذه ليست رواية عاطفية فحسب؛ فوثائق الأمم المتحدة التاريخية تتحدث عن السيطرة على أراضٍ وممتلكات عربية بعد الحرب، وعن مصادرة ممتلكات اللاجئين ومنع عودتهم إلى منازلهم.
بل إن المشهد الذي يراه البعض اليوم من مصادرة الأرض والضغط على السكان وإجبارهم على الرحيل ليس مجرد صفحة من الماضي. ففي الأيام الأخيرة نفسها، شهدت قرية قُصرة في الضفة الغربية حصاراً لمنازل فلسطينية من قبل مستوطنين، مع قطع المياه والكهرباء ومنع السكان من الخروج، وسط اتهامات بمحاولات السيطرة على الممتلكات.
إذن، عندما يغضب الإنسان لأن حجراً سقط، ثم يتعامل مع الأرض وكأنها تفصيل ثانوي، فهو يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات.
الحجر يُبنى من جديد. أما الأرض حين تُنتزع، فاستعادتها قد تحتاج إلى أجيال.
وهذا لا يعني أن على الإنسان أن يستهين بحياته أو بممتلكاته أو أن يعتبر الخسائر أمراً بسيطاً. على العكس تماماً؛ الدم أثمن من الحجر. لكن احترام الدم يقتضي أيضاً أن نفهم لماذا يُدفع، ومن الذي فرض المعركة، وما المشروع الذي تقف خلفه.
فإذا كان الخلاف كله حول ثمن المقاومة، فالسؤال المنطقي هو:
وما ثمن الاستسلام؟
وهل يملك أحد ضمانة أن التنازل عن سلاح اليوم سيضمن بقاء الأرض غداً؟
التاريخ لا يمنحنا هذه الضمانة.
بل إن التجربة الفلسطينية منذ 1948 تقول شيئاً مختلفاً تماماً: الاقتلاع لم يتوقف عند حدود منزل، ولا المصادرة عند حدود قرية، ولا التوسع عند حدود حرب واحدة. والأمم المتحدة نفسها تصف النكبة بأنها أزمة نزوح ممتدة، وتشير إلى استمرار النزوح والاستيلاء على الأراضي والإخلاءات وهدم المنازل في العقود اللاحقة.
لذلك، عندما نتحدث عن المقاومة، لا يصح أن نناقشها وكأنها ظاهرة منفصلة عن وجود الاحتلال.
السبب لا يمكن أن يُمحى من المعادلة ثم يُطلب منا تفسير النتيجة.
وهنا أيضاً يجب أن ننتبه إلى شيء آخر: مشروع “إسرائيل الكبرى” ليس مجرد مصطلح عابر في النقاشات على وسائل التواصل. هناك تاريخ طويل للفكرة، وهناك اليوم نقاشات وتصريحات إسرائيلية متزايدة حول توسيع الحدود والمستوطنات والضم، كما أن خرائط سياسية عرضها مسؤولون إسرائيليون في مناسبات مختلفة أثارت جدلاً واسعاً حول حدود الدولة وطموحاتها الإقليمية.
الصورة التي جرى تداولها و نشرها البنتاغون على أنها خريطة لـ”إسرائيل الكبرى”، ألا تستحق التعامل معها كدليل على خطورة هذا المشروع ؟
عندما تخدمنا الصورة، يجب ألا نتخلى عنها في تبيان الحقيقة.
إذا كنا نريد مواجهة مشروع خطير، فعلينا أن نواجهه بالعقل قبل الانفعال، وبالأدلة قبل التداول، وبالمعرفة قبل الشعارات.
وهنا أصل إلى النقطة التي قد تزعج البعض:
حرية التعبير لا تعني أن كل رأي يساوي كل معرفة.
يمكنك أن تختلف.
يمكنك أن تنتقد.
يمكنك أن تسأل.
يمكنك حتى أن ترفض موقفاً كاملاً.
لكن عندما تتحدث في ملف عسكري وأمني وجيوسياسي شديد التعقيد، فمن حق الآخرين أن يسألوك: ما الذي بنيت عليه حكمك؟
هل درست المعطيات؟
هل تعرف طبيعة الجغرافيا؟
هل قرأت في العقيدة العسكرية؟
هل تعرف شيئاً عن موازين الردع؟
هل تملك المعلومات الاستخبارية التي يملكها من يصنع القرار؟
هل عشت التجربة التي تحكم عليها؟
أم أنك شاهدت مقطعاً مدته دقيقة، ثم بنيت عليه موقفاً من حرب كاملة؟
العقل ليس أن تتحدث في كل شيء.
العقل أن تعرف متى تتحدث، ومتى تسأل، ومتى تقول: لا أعلم.
وهذا لا يعني إسكات الشعوب، بل يعني حماية النقاش العام من التحول إلى سوق للأحكام السريعة.
وأكثر ما نحتاجه اليوم هو التمييز بين النقد المسؤول والجهل الواثق.
النقد المسؤول يقول: لماذا حدث هذا؟ ما البديل؟ ما المعطيات؟ ما الكلفة؟ هل كان القرار صائباً؟
أما الجهل الواثق فيقول: أنا أعرف تماماً ماذا كان يجب أن تفعلوا، رغم أنه لا يعرف شيئاً مما كان أمام من اتخذ القرار.
وهذا ينطبق على الجميع، وليس على طرف واحد.
فكما لا يجوز أن تتحول المقاومة إلى منطقة محرمة على النقد، لا يجوز أيضاً أن تتحول المقاومة إلى شماعة نعلّق عليها كل شيء، بينما نُعفي الاحتلال من مسؤوليته عن الحرب.
لا يمكن أن نغضب من الرد وننسى الاعتداء.
لا يمكن أن نناقش الصاروخ وننسى الطائرة التي سبقته.
لا يمكن أن نناقش الخسارة وننسى من بدأ بفرض معادلة القوة.
ولا يمكن أن نطلب من الناس أن يواجهوا مشروعاً توسعياً بأعين مغمضة، ثم نلومهم عندما يحاولون حماية أرضهم.
في القضايا المصيرية، لا يكفي أن يكون صوتك مرتفعاً.
يجب أن يكون وعيك أعمق من صوتك.
ولا يكفي أن يكون لديك جمهور.
يجب أن يكون لديك علم.
ولا تكفي الشجاعة على المنبر.
يجب أن يكون هناك مسؤولية عن الكلمة.
فالجهل في القضايا العادية قد ينتج عنه رأي خاطئ، أما الجهل في القضايا المصيرية فقد ينتج عنه وعي خاطئ، والوعي الخاطئ قد يتحول إلى موقف عام، والموقف العام قد يتحول إلى ضغط على مجتمع بأكمله.
لذلك، نعم، تكلموا.
انتقدوا.
اسألوا.
ناقشوا المقاومة، وناقشوا الدولة، وناقشوا كل من يمارس السلطة أو يحمل السلاح.
لكن قبل أن تصدروا الأحكام، تذكروا أن الرأي مسؤولية بقدر ما هو حق.
وتذكروا أن الإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على الكلام، بل بقدرته على معرفة حدود ما يعلم.
أما في مواجهة الكيان الصهيوني، فالمعادلة أكثر وضوحاً:
لا ينبغي أن نختلف على وجود الاحتلال وخطر المشروع التوسعي ثم نختلف على المقاومة قبل أن نحدد أصل المشكلة.
من يريد إسقاط المقاومة عليه أولاً أن يجيب: كيف سيمنع الاحتلال من التمدد؟ وكيف سيحمي الأرض؟ وكيف سيضمن ألا يتحول التنازل عن القوة اليوم إلى التنازل عن الأرض غداً؟
أما أن نختلف على أدوات المواجهة، فهذا نقاش.
لكن أن ننسى العدو ونحوّل كل غضبنا إلى الداخل، فهذه ليست شجاعة نقدية.
إنها، في أفضل الأحوال، قراءة ناقصة للمشهد.
وفي أسوأ الأحوال، أن تصبح المشكلة في نظر البعض هي من يقاوم، لا من يحتل.
وهنا تحديداً يجب أن يعود العقل إلى مكانه الطبيعي:
أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تعرف قبل أن تُنظّر، وأن ترى الصورة كاملة قبل أن تنشغل بتفصيل واحد منها.
فليس كل من امتلك منبراً امتلك الحقيقة، وليس كل من امتلك جمهوراً امتلك المعرفة، وليس كل من رفع صوته أصبح خبيراً.
وفي زمن تختلط فيه الصور بالمعلومات، والشهرة بالاختصاص، والانفعال بالوعي، ربما يكون أكثر ما نحتاج إليه ليس مزيداً من الأصوات…
بل مزيداً من العقول التي تعرف حدودها.
