الله في الساحة
في الفجوة بين الإعلان الصادر في تاريخ ميلاده وبيان طهران، تتجلى بوضوح معادلات صياغة الانتصار.
من يسعى إلى فهم سياقات الهزيمة والنصر، عليه أن يُقارن بين الأهداف المُعلنة للحرب وما تحقق منها فعلياً على الأرض، ليكتشف حجم المفارقة.
راهنت إدارة ترامب على تفكك طهران من الداخل، فكانت النتيجة عكسية؛ إذ ازداد تماسك مجتمعها وقوته. وبرهنت إيران على أنها قوة عسكرية إقليمية تفوقت على توقعات الخبراء، متحولةً إلى قوة مؤثرة في جغرافيا غرب اسيا.
حولت طهران حضورها الجغرافي في مضيق هرمز من ورقة تهديد إلى أداة ضغط فعلية، تُكبد الاقتصاد العالمي خسائر جسيمة، وتهزّ يقين الإدارة الأمريكية، لتصبح التداعيات المرتبطة بها مرآة تعكس تقلبات الاقتصاد العالمي.
العجيب في المفارقة أن من يُسوَّق الاتفاق الراهن مع إيران على أنه إنجاز تاريخي، هو أدنى مستوى من اتفاق 2015. فإيران التي تعرضت لحصار لعقود، واستشهد قادتها، وتعرضت لأقوى الترسانات الحربية وأشدها فتكاً، وتآمرت عليها أكثر من عشرين دولة إقليمياً ودولياً، نجحت في امتصاص الصدمة وقلب المعادلة لصالحها.
تجاوزت هذه المعركة كل مفاهيم الحروب التقليدية، حتى غدت نموذجاً لحرب الإرادة والصمود، حيث لم تُحسم بالسلاح فحسب، بل بالثبات السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، مما يؤكد أن معادلات القوة في المنطقة قد أعيدت صياغتها إلى الأبد.
يبقى دونالد ترامب تاجرا ورجل تلفزيون، لذلك تلخصت رغبته منذ اليقين بأنّه سقط في فخّ نصبه الصهاينة وأنّه دافع لا محالة، في صناعة صورة «البعبع» القادر على «تدمير إيران».
دفع الثمن عندما لم ترجف عين من أراد زرع الرعب في قلوبهم، بل أفهموه بالحجة والدليل، أنهم جادون في الإضرار به…
ها هو يعيد اللعبة مع شعبه ومؤسسات بلده، حين شرع في تسويق الاتفاق في صورة «النصر العظيم».. هل ينجح؟
ابعاد نتائج هذه المعركة ستكون كثيرة. وموغلة في التحولات السياسية القادمة ،واكبر حجما من نتائج حرب اوكرانيا عند نهايتها، وتدرك تفاصيلها بشكل دقيق الصين وروسيا ثنائي القطب القادم مع طهران.
أخطر ما في هذه الحرب كان غياب سقفها منذ الانطلاقة.. وحين تُدار الصراعات بلا سقوف تُكتب النهايات خارج إرادات الجميع، وهذا ما حصل بالفعل لان اغلب محطاتها كانت بسقوف وهمية من سامرية عصر العجل القديم، وكأن الله ليس في الساحة.
انتهت هذه الحرب، بانتصار اصحاب القضية، والارض، باعتراف جهابذة التحليل السياسي، ومفكري الاقتصاد الدولي، وخبراء الحروب، لتبقى عقيدة المقاومة عند الشعوب عندما تتوفر شروطها يستحيل ترويضها بالقوة.
انتصار الدم على السيف يتجدد، مع الادراك أن الثقة بوعود الأمريكيين معدومة الى حد الان. و أي إخلال ببند من بنود الاتفاق، أو محاولة الالتفاف عليها، سيقابل برد لا يحمد عقباه.
قد نختلف أو نتفق مع إيران، لكن لا يمكن لعاقل إنكار هذه النتيجة. او التغاضي عنها، مع دولة واجهت هذا الحجم من الحصار، والضغوط والاغتيالات والحروب، ثم بقيت قادرة على الردّ، والتفاوض بمنطق القوة لفرض شروطها وتثبيت حضورها.
دون شك ان مذكرة التفاهم الامريكية الايرانية، وثيقة لمنعطف تاريخي، في الشرق الاوسط، والعالم باسره. وعليها سيبنى لاسترتيجيات السنوات القادمة، و سيسجل التاريخ أن جمهورية ايران الإسلامية، ومحور مقاومتها، بقيا صامدين كالطود العظيم، ضد أعظم الإمبراطوريات دون أن تسقط لهم راية. وكله بفضل الشهداء الابرار، وتضحيات اهل الثغور، ووعي حاضنة المقاومة بمسؤولية وحدة الصف، والثبات على الحق.
المجد والخلود لشهدائنا الابرار رظوان الله عليهم
حسن بن عمارة
