بقلم: مختار نمير – مصر
في عالم شديد التناقض، مختلّ المعايير بشكل غير مسبوق، تبرز أكثر المشاهد فجاجة: إيران تفكّك برنامجها النووي، بينما تتحدث إسرائيل عن 200 رأس نووي في ترسانتها. مجازر جماعية تُوصف بالدفاع عن النفس، واستهداف لمدرسة “ميناب” في إيران يسقط 175 تلميذاً، ليُعلن بعدها عن “إجراء تحقيق”. المهزوم يريد فرض شروطه ويطالب باستسلام كامل من المنتصر.. كوميديا سوداء.في الميدان، يُثبت جنوب لبنان صموده ويحرر أرضاً محتلة، لكن البعض يقول: “هذه حروب الآخرين على أرضنا، سلّم سلاحك”.
والسؤال: من يضمن تحرير الأرض بالمفاوضات المباشرة؟ متى انسحبت إسرائيل من أرض احتلتها؟ أمريكا تضمن؟ ومتى ضمنت أمريكا؟ ولماذا لم تضمن في سوريا؟ لبنان غير سوريا، وإسرائيل لها أطماع توسعية في الجغرافيا اللبنانية، لكن “حزب الله يعطيها الذريعة”. عام 1982 لم يكن الحزب موجوداً، ومع ذلك احتلت إسرائيل بيروت. هكذا جدل يُصيب بالغثيان، والصمت من ذهب، والكتابة لإقامة الحجة.
رسائل السياسة الناشفة.. وابتسامة ميتة
رسائل السياسة غالباً ما تكون جافة، وأحياناً تافهة، تلمح فيها ابتسامة ميتة يسمونها “الابتسامة الدبلوماسية” التي يُتدرب عليها.
بعد رسالة الخارجية الإيرانية لحكام الإمارات، التي احتوت بيتاً من شعر المتنبي لتمرير رسالة، كان البيت معبراً ورائعاً:
إذا رأيتَ نيوبَ الليثِ بارزةً .. فلا تظنّنَّ أنّ الليثَ يبتسم
شجعني هذا الأمر على استخدام ما يناسب من أبيات شعرية، قد تختصر مقالات كاملة تصف تناقضات المعايير العالمية في الحكم على الظواهر نفسها.
اغتيال الرئيس الإيراني و”انقسامات” وهمية.
بعد الاغتيال المشبوه للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته أمير عبد اللهيان، الذي كان على خلاف واضح مع الوزير محمد جواد ظريف (من أنصار الاتفاق النووي 2015)، بينما كان مساعده وقتها أمير عبد اللهيان ضد الاتفاق. تغلّب منطق جواد ظريف، وتخلّص من عبد اللهيان الذي أخذه الشهيد علي لاريجاني مستشاراً لرئيس البرلمان للشؤون الخارجية.
أقول هذا الكلام حتى يتذكر الناس: أي اختلاف في الرأي داخل القيادة الإيرانية هو شيء طبيعي ومشروع ورائع. لكن إعلام الغرب والإعلام العربي الداعر يصورونه انقساماً حربياً، وكأن حرباً أهلية على وشك الاشتعال بين الأجنحة المختلفة في إيران.
ثم حدثت الانتخابات، وصُنف الرئيس مسعود بزشكيان على أنه من “الإصلاحيين”، بينما سعيد جليلي وقاليباف من “المحافظين المتشددين”. مع العلم أن جليلي وقاليباف – كما يصنفونه – محافظان أي متشددان، وكان مجموع أصواتهما في المرة الأولى يفوق أصوات الرئيس الإصلاحي. وكان بإمكان الشهيد الإمام علي الخامنئي أن يطلب من أحدهما التنازل للآخر لو كان هناك انقسام عدائي داخل المجتمع السياسي.
قدم الشعب في انتخابات الإعادة الرئيس الإصلاحي، على حساب ما يسمى إعلامياً “صراع المحافظين والإصلاحيين”، ليُهدي العالم رئيساً إصلاحياً تقام به الحجة على أمريكا ودول الغرب. لكن الأمريكي والغرب والعرب ردوا: “انتخابات إيران لا تعنينا!”.
لماذا هذا الحديث الطويل؟
أولاً: الذين يتعمدون وصف ما يحدث في إيران على أنه صراع مدمر بين أجنحة متناقضة، يمارسون دعاية إعلامية داعرة. بينما حين يقيل الرئيس ترامب 24 جنرالاً أمريكياً من كبار القادة، أو يستقيل وزير البحرية الأمريكي وغيره من كبار رجال الـ(سي آي إيه)، يُعتبر ذلك أمراً عادياً. بينما خلاف رؤية مشروع في إيران يُتناول إعلامياً بالتضخيم وكأنه حرب أهلية.
ثانياً: حينما قدم الشعب الإيراني رئيساً إصلاحياً – بحسب الوصف الأمريكي والغربي – تجاهلوه بل أُعلنت الحرب على إيران مرتين، وهو ما لم يحدث مع رئيس محافظ كالرئيس أحمدي نجاد الذي يُصنف كأكثر الرؤساء المحافظين تشدداً.
وكأني بأمير الشعراء أحمد شوقي يقول في منفاه بالأندلس:
أحرامٌ على بلابِلِ الدَّوحِ … حلالٌ للطير من كلِّ جنسِ؟
يستنكر شوقي قسوة الاستعمار الذي يحرم الأوطان على أبنائها المخلصين، ويبيحها للغرباء من كل جنس ليستمتعوا بخيراتها. التناقضات الأمريكية حلال وعادية ونظام ديمقراطي يتحمل الاختلافات، بينما أي آراء متباينة في إيران يتناولها الإعلام الداعر – خصوصاً العربي – وكأنها حرب أهلية.
ثالثاً: إيران – أيها السادة – دولة مؤسسات، لها ثوابت تتحرك من خلالها. وسواء كان الرئيس محافظاً أو إصلاحياً، علمانياً أو إسلامياً، هناك ثوابت يتحرك من خلالها أي مسؤول. والأمر لم يعد إسلامياً شيعياً، بل أصبح ذا بعد وطني مدعوم بالإسلام وتعاليمه.
رابعاً: هل يعلم الناس أن المرشد علي الخامنئي الشهيد يُنتخب عن طريق مجلس يسمى “مجلس الخبراء” الذي يضم 88 عضواً منتخبين من الشعب مباشرة؟ وليعلم البعض أن هناك في إيران معايير دستورية تحدد إجراءات عزل المرشد. دلوني على حكم ديني في التاريخ يمكن فيه عزل رأس السلطة الدينية؟ في إيران ممكن! هل يمكن عزل بابا روما؟ أو بطريرك الإسكندرية؟ أو موسكو أو اليونان؟ أو رأس الكنيسة البروتستانتية؟ لم يحدث في التاريخ أن تم “عزل” بابا الفاتيكان قسراً من قِبل أي سلطة أعلى داخل الكنيسة الكاثوليكية، وذلك لأن البابا يتمتع بسيادة مطلقة والقانون الكنسي لا يسمح بعزله.
السيد الخامنئي الشهيد – يرحمه الله – كان رافضاً للاتفاق النووي عام 2015، لكن حينما وجد أن المسؤولين يرغبون في إتمامه كانت له كلمته الشهيرة: “أنا لا أثق في الأمريكي”، وتنبأ بأن أمريكا ذاتها هي من ستقوم بإلغائه.
أيضاً، من يستخدمون تعبير “ولاية الفقيه” للهجوم على النظام الإيراني، فليعلموا أن “الفقيه” – يا سادة – مؤسسة متكاملة وليس شخص المرشد. مؤسسة ولاية الفقيه تحتوي على خبراء من كل تخصص، تختص بوضع الاستراتيجية العليا للجمهورية الإسلامية المتعلقة بالأمن القومي الإيراني، والحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية، وتحرير المقدسات الإسلامية وعلى رأسها فلسطين، ومناصرة القضايا العالمية العادلة – كما تناصر فلسطين ولبنان، تناصر فنزويلا.
خامساً: خلال حربين في عدة شهور – دلوني على نظام تم اغتيال الصف الأول والثاني من قيادته المقاتلة ويظل النظام قائماً. في حرب الإثني عشر يوماً، وفي غضون ساعات يستجمع النظام قواه ويتم تسليم القيادة بشكل سلس. نعم هناك خسائر. وفي “حرب رمضان” تم اغتيال سماحة المرشد وكثير من رجال الدولة، والنظام ثابت ولم يسقط. أذكر أنه في إحدى الولايات الأمريكية انقطع التيار الكهربائي لدقائق عن كل الولاية، ووقعت أرقام فظيعة من النهب والسلب لمحلات السوبر ماركت ولا رادع أخلاقي. ذلك هو الفارق الذي لم تتعلمه دول الخليج، والفارق بين الحضارة والهمجية.
خاتمة: الأدب لمن أساء الأدب
في أحيان كثيرة، يكون الشعر والأدب ضرورياً لتأديب من أساء الأدب، إذا كان مستعداً. لكن يبدو أن “نيوب الليث” لا بد أن تظهر لكل من يسيء الأدب ولا يرغب في أن يتعلم أو يفهم.في مصر حين يسيء فرد أو جماعة الأدب، تجد من يقول لهم: “اتلموا”. وفي لبنان وأهل الشام يقولون: “انضبوا”. وفي إيران دبلوماسياً يقولون:إذا رأيت نيوب الليث بارزةً .. فلا تظن أن الليث يبتسم
لذا: الأدب لمن أساء الأدب. اتلموا، انضبوا، وافهموا نيوب الأسد.
