

بينما لا تزال الجراح السورية غائرة، والبلاد ممزقة بين قوى الأمر الواقع والاحتلالات المتعددة، يخرج إلى العلن بيان يحمل اسم “الحركة الإبراهيمية في سورية” برئاسة المهندس جمال صباغ، ليعلن عن اجتماع عُقد في السابع عشر من مايو 2026. الاجتماع، بحسب نص البيان، لم يكن سورياً خالصاً، بل جاء بمشاركة شخصية إسرائيلية رسمية ومدنية (حاخامات ورجال أعمال ومجتمع مدني) وبرعاية رئيس الحركة الإبراهيمية العالمية د. توم فاغنر.
هذا البيان لا يمكن قراءته كدعوة بريئة للسلام أو الحوار الديني، بل هو مخطط جيوسياسي مكتوب بلغة “دبلوماسية الأديان” المصممة لتمرير أجندات التطبيع وفرض واقع إقليمي جديد على أنقاض الدولة السورية.
1. التوقيت والسياق: استغلال “الجسد السوري المنهك”
يأتي الاجتماع في لحظة تبلغ فيها المعاناة الاقتصادية والإنسانية للسوريين ذروتها. وهنا تكمن خطورة “البرغماتية الخبيثة” للحركة؛ فهي لا تخاطب السوريين من بوابة الحل السياسي الشامل القائم على القرارات الدولية، بل تدخل من ثغرة “تجفيف منابع الفقر واليأس”.
إن ربط المساعدات الاقتصادية، والتنمية، والتعليم، بـ “السلام الإبراهيمي” والشراكة مع إسرائيل، هو ابتزاز صريح للمجتمع السوري المقيد بالأزمات. الخطاب هنا يحاول مقايضة لقمة العيش والكرامة الإنسانية بالتخلي عن الثوابت الوطنية والتاريخية.
2. تفكيك المصطلحات: السم في عسل “الأمن الروحي”
البيان مشحون بمصطلحات براقة جرى تفصيلها بدقة في مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية لتمرير “الاتفاقيات الإبراهيمية” وتسويقها شعبياً:
”الأمن الروحي والفكري”: مصطلح فضفاض يُقصد به ترويض الوعي الجمعي السوري، وإعادة صياغة المناهج والخطاب الديني بما يتوافق مع القبول بالاحتلال الإسرائيلي كجزء طبيعي من نسيج المنطقة.
”شراكات إعلامية”: تعني صراحةً غسيل دماغ ممنهج عبر وسائل إعلامية ممولة لتغيير صورة العدو التاريخي وتحويله إلى “شريك إنساني”.
3. هندسة العداء وتأطير الصراع
إن إبراز البيان لإيران كعدو يهدف إلى:
.١ تبييض صفحة إسرائيل: تصوير إسرائيل كحليف “إنقاذي” أو “شريك سلام” في مواجهة التمدد الإيراني.
.٢ شطب القضية الفلسطينية: تغييب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية (بما فيها الجولان السوري المحتل) من معادلة الصراع، وتحويل البوصلة بالكامل نحو صراع مذهبي/إقليمي أخر.
.٣ إن الواقع العسكري الميداني اليوم يثبت أن شبكة التحالفات المدعومة من طهران (محور المقاومة من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى الفصائل المؤازرة في سورية) هي القوة الوحيدة التي تخوض مواجهة مسلحة مباشرة لعرقلة وإبطاء مخططات التوسع الإسرائيلي.
وبالتالي، فإن تصنيف إيران كعدو رئيسي في هذا التوقيت يستهدف:
.4 نزع الشرعية عن المقاومة الميدانية وتصويرها كـ “أدوات تخريبية لصالح أجندة خارجية”.
.5 تسهيل الاستفراد بالساحات (لبنان، سورية، فلسطين) بعد عزلها فكرياً وسياسياً عن عمقها التسليحي واللوجستي.
4. شرعنة الاختراق عبر واجهات محلية
الخطورة الكبرى في هذا الكيان المسمى “الحركة الإبراهيمية في سورية” تكمن في محاولته اصطناع “شرعية تمثيلية”. يتحدث البيان عن مشاركة “علماء مسلمين وشيوخ عشائر وقبائل وممثلين عن مكونات الشعب السوري”.
هذا التكتيك هو استنساخ لتجارب تاريخية سابقة حاولت فيها قوى خارجية بناء نخب بديلة أو “روابط قرى” لتكون جسراً محلياً يمر عليه قطار التطبيع. إن استخدام العشائر والدين كغطاء شعبي هو محاولة لكسر المحرمات الوطنية (Taboos) ومنح العمالة الفكرية والسياسية صبغة “الحكمة والشجاعة والمسؤولية التاريخية”.
السلام الإبراهيمي أم التفكيك الهيكلي؟
إن ما تسميه الحركة “سلاماً حقيقياً لا يبنى بالشعارات” هو في جوهره مشروع استسلام وتفكيك لما تبقى من الهوية الوطنية السورية. السلام الحقيقي يُبنى على العدالة، واستعادة الحقوق والأراضي المحتلة، والحل السياسي الذي يصنعه السوريون بأنفسهم بعيداً عن الإملاءات الإقليمية.
إن “الحركة الإبراهيمية في سورية” برئاسة صباغ وشركائه الإسرائيليين ليست سوى أداة اختراق ناعمة وعابرة للحدود، تستغل عوز الناس وضعف الدولة لتسويق بضاعة التطبيع برداء الملائكة ورجال الدين، وهو ما يستدعي يقظة فكرية وسياسية وشعبية لتعرية هذه الواجهات وتفكيك خطابها الإقصائي المتدثر بدثار التعددية.
د. نبيلة عفيف غصن
