بين “عدالة” القتلة ودموع الضحايا: لبنان في مهب قانون العفو الأسود!
في بلادٍ تغيب فيها الدولة وتستأسد فيها “الشلل”، يطل علينا قانون “العفو العام” كأبشع تجلٍّ لمنظومة تحكمها مصالح القتلة والمجرمين، منظومة تشرّع للإفلات من العقاب تحت عباءة “الإنسانية” و”الاكتظاظ”. أيّ إنسانية هذه التي تساوي بين جرح المسن أو جنحة عابرة، وبين وحشية ذبحت ميريام الأشقر وهي لا تزال تتنفس؟ وأي عدالة هذه التي تستبيح دماء شهداء الجيش في عبرا لتمرير صفقات إقليمية وتفاهمات سياسية قذرة؟
دم ميريام الأشقر: السكين التي تذبحنا مرتين
في العام 2011، هزت جريمة ميريام الأشقر ضمير لبنان. طعن، سحل، محاولة اغتصاب، ثم ذبح وحشي لصبية في ربيع العمر. واليوم، يناقش “نواب الأمة” قانوناً يسمح لقاتلها، “فتحي جبر السلاطين”، بالخروج إلى الحرية بعد 15 أو 25 عاماً فقط.
إن هؤلاء النواب الذين يدعمون هذا المشروع يدركون تماماً أن دماء ميريام لا تزال على أيديهم بصمتهم. إنهم يشرّعون لخروج القتلة والإرهابيين وتجار المخدرات، ويفتحون أبواب السجون بناءً على تفاهمات مرتبطة بالخارج، وتحديداً بالرئيس السوري أحمد الشرع، لتهريب مجرمين تحت مسميات “العفو” و”تخفيف العقوبات”.
شهداء الجيش في عبرا: الكرامة التي لا تُباع
بأي وجه يقابل هؤلاء النواب أهالي شهداء معركة عبرا؟ إن دماء العسكريين الذين سقطوا دفاعاً عن سيادة لبنان ليست “تفصيلاً قانونياً” يخضع للمساومات. إن أي عفو يطال من اعتدى على المؤسسة العسكرية، فاعلاً كان أو محرضاً، هو موقف من الدولة نفسها ضد نفسها. هو إعلان صريح بأن كرامة الجندي والضابط أقل قيمة من الكراسي والمصالح السياسية. إن “قدماء العسكريين” وعائلاتهم يصرخون اليوم: العدالة ليست ظرفية، والاعتداء على الجيش خيانة لا تُغتفر.
قضية حبيب الشرتوني: الفعل الوطني في وجه “القانون” الاستنسابي
وفي خضم هذا المستنقع الجنائي، تبرز قضية الأمين حبيب الشرتوني. هنا لا نتحدث عن جريمة جنائية أو إرهاب يستهدف المواطنين، بل عن فعل سياسي ووطني بامتياز نبع من مواجهة مشروع “أسرلة لبنان” عام 1982. إن الشرتوني، الذي نفذ حكم الشعب بحق من سهّل دخول الاحتلال الصهيوني وتسبب بسقوط آلاف الشهداء، لا يجوز أن يظل “شماعة” للتجاذبات السياسية.
كيف تذهب الدولة لإطلاق سراح موقوفين في قضايا إرهاب تمس الأمن القومي، بينما ترفض شمول الشرتوني بالعفو؟ إن مبدأ “عفا الله عما مضى” الذي طُبّق على أمراء الحرب الذين ولغوا في دماء اللبنانيين، يجب أن يُطبّق بالضرورة على من واجه العدو وأدواته. إن إسقاط مفاعيل هذا الفعل قانونياً هو اعتراف بانتصار خيار المقاومة وكرامة لبنان.
صمت القادة: خيانة للرعية
إننا نوجه إصبع الاتهام مباشرة إلى البطريرك الراعي، وإلى النواب المسيحيين، وإلى الرئيس جوزيف عون. إن صمتكم تجاه هذا القانون المشبوه هو مباركة غير معلنة لتجفيف العقوبات عن المجرمين الحقيقيين.
أين حماية الوجود وكرامة الإنسان في لبنان من قانون يخرج الذبّاحين إلى الشوارع؟
وكيف يرضى قائد الجيش بمسودة قانون قد تشمل من حرض على قتل عساكره؟
لا عفو إلا عن المظلومين
إن أي قانون عفو حقيقي يجب أن يقتصر على الجنح البسيطة، المسنين، والمرضى، لا أن يكون “غسالة” لجرائم القتل والاغتصاب والإرهاب.
إننا نرفض تحويل لبنان إلى دولة حكامها يحمون المجرمين أكثر من حمايتهم للمحكومين ظلماً. إن الوفاء للشهداء، من ميريام الأشقر إلى شهداء الجيش وصولاً إلى المناضلين الوطنيين كحبيب الشرتوني، يتطلب شجاعة في إغلاق ملفات الماضي بإنصاف، لا بكيدية استنسابية تحمي “الوحش” وتظلم “البطل”.
ارفعوا أيديكم عن القضاء، وارفعوا كيدكم عن الوطن!
د. نبيلة عفيف غصن
