ما بعد هرمز
سلك الإيرانيون بمفاوضات النووي مسلك الخبراء في قلب المعادلة. لتنظيف جبهتهم الداخلية، والاستعداد للمعركة القادمة، وكشف حقائق كثيرة للراي العام الدولي، ولتشتيت جبهة الغرب التي تعتمد في اقتصادها على الطاقة. بما يجعلُ أمريكا تعيش حصارا من الازمات الداخلية، والخارجية، ستأخذهم الى هزيمة كبرى.
أتابع مقاربات تحليليّة كثيرة تحاول تفكيك المواجهة، وارتداداتها والغالبية تقول ان امريكا هزمت, بل البعض يذهب الى اكثر من هذا.
ترامب أحمقٌ، إن ظن أنه سيستطيع إخضاع إيران بالقصف. لم يحقق قصفه الذي استمر قرابة 40 يوماً أي نصر، يمكن للأمريكيين قصف اضعاف ما قصفوه، في الحرب الاولى لكن ستبقى إيران صامدة.
اما تصعيد طهران في موقفها الاخير، لانها مدركة توقيت هذا التصعيد، ووسائله، وتهديد ترامب بقصفها مجدداً، ان حصل سينهك الامريكي ويدخله في متاهات لا لها اخر.
انظروا إلى أسعار البنزين في أمريكا الآن. ومع اشتعال جديد للحرب لا يستبعد إن يصل سعر الغالون إلى 8 دولارات، ليواصل ارتفاعه. تشير تقديرات من جامعة براون، في تكلفة الطاقة أن الأمريكيين أنفقوا 37.4 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل منذ بدية الحرب. هذه أرقام الداخل ! اذا ماذا عن بقية العالم؟
ترامب وهيغسيث، لا يعرفان شيئاً عن الحرب سوى التصريحات الشعبوية، وروايات قصص من مخيلة الجيش الأمريكي ونجاحاته. كيف يمكن قصف ايران واخضاعها، وهي جغرافيا دولة بحجم فرنسا وإسبانيا وألمانيا ونحو 80% من إيطاليا ؟ عملية لا يفهمها الا الخبراء في الحروب العالمية.
بلد بهذه الضخامة، يستحيل الانتصار عليها. وعندما تكون ارادة شعبه للدفاع عن وطنهم متماسكة وقيوية بنتفي الهدف من اساسه. وما أظهرته منصة الاحصاء لمتطوعي “فدائي من أجل إيران” أن أكثر من 31 مليوناً و504 آلاف شخص سجلوا أسماءهم في حملة الدفاع عن الوطن، دليل لمعرفة مألات المعركة. لذا لا يمكن آخذ تهديد ترامب بالعودة إلى الحرب على محمل العقلاء.
ترامب أمام خيارين.. وكلاهما مر، الخيار الاول القبول بشروط الإيراني. و نتائجها السياسية الخارجية والداخلية ستكون كاريثية عليه, او العودة إلى الحرب، وانفجار شامل في المنطقة، وارتفاع لأسعار النفط الى 150 دولاراً للبرميل. واستنزاف عسكري أعمق للامريكي، وهذا الاخطر على امنه القومي. اما التهديد بالنووي، فلن يحل المشكلة بل سيدفع بالايرانيين لامتلاك سلاح ردعهم المطلوب والاعلان عنه رسميا.
لا يملك الجيش الامريكي مخزون لذخيرة كافية لمواصلة هذه الحرب. المثير للصدمة، ان امريكا تنفق تريليون دولار على وزارة الحرب (سيصل إلى 1.7 تريليون دولار في عام 2027)، وهي غير قادرة على زيادة الإنتاج الصناعي للأسلحة، والذخائر بشكل ملحوظ في القريب. يقابلها الصيني الذي لا يتوقف عن صناعة ترسانته الحربية.
اما التكلفة الباهظة و أرقام الاستنزاف فقد باتت كارثية. باعلان البنتاغون أن عملياته بلغت 29 مليار دولار. وحسب توقع اطراف خبيرة، انه ضعفي هذا الرقم المعلن.
كما تشهد شعبية ترامب تراجع وصلت إلى 60% بين الجمهوريين، لتؤكد أن واشنطن هي من يختنق بحصارها، وليس طهران.
كما فات الأوان الآن لغزو بري لإيران، لأن الطقس في الخليج الفارسي سيصبح لا يُطاق، في غضون الأسابيع القادمة مع دخول فصل الصيف.
في الضفة الثانية، تبدو إيران الآن أقوى عسكريًا مما كانت عليه قبل الحرب. من الأسبوع الأول، ادعى ترامب أن 18% فقط من صواريخ إيران و10% من منصات إطلاق الصواريخ الخاصة بها بقيت بعد القصف الأمريكي.
في الأسبوع الماضي كشف تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” مُسرّب عبر وكالة المخابرات المركزية أن 70% من صواريخ إيران و75% من منصات إطلاقها لا تزال جاهزة للعمل، وتم الوصول إلى 90% من منشآتها تحت الأرض. والأخطر جيوسياسيا هو عودة 30 موقعا صاروخيا من أصل 33 للعمل بكفاءة تامة على طول مضيق هرمز.
اما ما اعلنه وزير الخارجية عراقجي، أن صواريخ إيران الباليستية بلغت 120% لما قبل الحرب لا يستبعد صحة هذا الكلام، لضرورة المعركة وامكانية رجوع الحرب . فمصانع صواريخها تعمل بكامل طاقتها مع اضافات لتكنولجية جديدة يدعي الغرب انها قدمت من قبل الصين!
كما الإعلام كان ساحة حرب نفسيّة بالغة الاهمية. وأخطر ما في الأمر الان ربط الساحات بعضها البعض، واشتراط الإيرانيين أن تقف الحرب في غزّة واليمن والعراق ولبنان وصولا إلى إيران. عمليّا يعني هذا أنّ إيران تقترح تصوّرا للشرق الأوسط برمّته تحت جناحها,وتجعل مشروع توسع الصهاينة في خبر كان، ووهما من صنف اضعاث الاحلام.
يعتقد أن الإيرانيين قادرون على الصمود لسنوات. رغم الحصار البحري تجري عملية التنسيق مع الصيني والروسي لهذا الشأن. كما أشار التقرير المُسرّب لوكالة المخابرات المركزية إلى أن إيران قد تصمد لمدة 3و4 أشهر أخرى على الأقل.
هزائم عديدة ستكشفها الايام، وستظهرها الحقائق، مع ارتدادات هذه الحرب. انّ إدارة الإيرانيين للمفاوضات كانت في منتهى الذكاء, بفرض شروطهم وسعيهم عبر مضيق هرمز لقلب المعادلة، ورميها في تجاذبات الإقتصاد العالمي.
على مر التاريخ، لم يقف الإيرانيون في وجه الغزاة المنفردين فحسب، بل وقفوا أيضاً في وجه “القوى العظمى” و”الجيوش الجرارة” وخرجوا دائماً بتتويج النصر فجغرافيا ايران كالرمال المتحركة. هذا ما لم يفهمه ترامب ولن يفهمه. وما بعد هرمز ليس كما قبله
