هل تكسر حياكةُ السجاد الايرانية استراتيجيةَ ترامب المستعجلة؟
حسن حردان
تبدو أروقة الدبلوماسية بين طهران وواشنطن وكأنها مسرح لمواجهة صامتة، لكنها أعنف من دوي المدافع. هي معركة “عضّ أصابع” بامتياز، حيث تتواجه مدرستان متناقضتان: مدرسة “حياكة السجاد” الإيرانية القائمة على الصبر والأناة، ومدرسة “حسم الصفقات” الترامبية القائمة على السرعة والضغط القصوي.
أولاً: الردّ الإيراني
تفكيك الألغام…
جاء الردّ الإيراني الأخير ليؤكد أنّ طهران متمسكة بمنهجها التاريخي في التفاوض. وبدلاً من الانجرار خلف “الرزم الشاملة” التي يفضلها ترامب، قدّمت طهران رؤية قائمة على “تفكيك الملفات” وجدولتها زمنياً:
مرحلة وقف النزيف: البدء فوراً بملف إنهاء الحرب الحالية ورفع الحصار البحري، كشرط أساسي لأيّ تقدّم.
معادلة هرمز: الإصرار على أنّ إدارة مضيق هرمز هي شأن سيادي إيراني، مع ضمان سلامة الملاحة مقابل رفع كامل للعقوبات النفطية والإفراج عن الأموال المجمدة.
الملف النووي: تأجيل النقاش النووي إلى مرحلة ما بعد بناء الثقة، وعلى قاعدة ثابتة وهي: “التسليم بحق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية” وفق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، ورفض أيّ تفكيك للمنشآت القائمة.
ثانياً: رفض ترامب
وعقدة رجل الصفقات
وصف الرئيس ترامب الردّ الإيراني بأنه “غير مقبول تماماً”. هذا الرفض ليس تقنياً فحسب، بل هو رفض لاستراتيجية المماطلة نفسها. بالنسبة لترامب، فإنّ “تفكيك الملفات” يعني منح إيران فرصة للتنفس اقتصادياً (عبر رفع عقوبات النفط) قبل حسم الملف النووي، وهو ما يراه “فخاً” يحرمه من أكبر أوراق ضغطه. يعكس خشية ترامب من أنّ “النفس الطويل” الإيراني بدأ يؤتي أُكله في استنزاف الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار النفط فور إعلان رفضه للردّ، مما يضعه أمام ضغوط داخلية متزايدة.
ثالثاً: مأزق خيارات ترامب
في حال واصل ترامب رهانه على إخضاع طهران، فإنه يواجه خيارات أحلاها مرّ:
مشروع “الحرية بلس”: لوّح ترامب بالعودة للخيار العسكري عبر نسخة موسعة من العمليات السابقة في هرمز. لكن هذا الخيار يهدّد باندلاع حرب إقليمية شاملة قد تحرق أسعار النفط وتدمّر فرص نمو الاقتصاد الأميركي.
الرهان على “الانهيار الداخلي”: مواصلة الحصار البحري على أمل أن يؤدي الى دفع إيران إلى تقديم تنازلات دراماتيكية. غير أنّ المؤشرات الحالية تشير إلى أنّ طهران أعدت “اقتصاد حرب” قادراً على المناورة لشهور إضافية.
الوساطة الدولية (الصين): قد يضطر ترامب، رغم خطابه المتشدّد، للاستعانة ببكين (التي سيزورها هذا الأسبوع) للضغط على طهران، وهو ما قد يمنح الصين دوراً جيوسياسياً أكبر في المنطقة، وهو ثمن باهظ آخر قد يضطر لدفعه.
من هنا، إنّ ما نشهده اليوم هو صدام بين طول “النفس الاستراتيجي” الذي تمثله طهران وقصر “النفس الانتخابي” الذي يمثله ترامب. وبينما تحاول طهران الخروج باتفاق “سجاديّ” منسوج بدقة يحفظ سيادتها ويحرّر أموالها، يجد ترامب نفسه عالقاً بين رغبته في “الصفقة الكبرى” وواقعية “الميدان الصعب”. في معركة عضّ الأصابع هذه، يبدو أنّ الصرخة الأولى ستصدر ممن لا يملك رفاهية الوقت، ولا يبدو أنّ الوقت يعمل لصالح البيت الأبيض بقدر ما يعمل لصالح إيران التي تجيد الحياكة ببطء…
